شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (22) اسم الله (الْعَلِيم) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

ثالثًا: إن اليقين بعلم الله -تعالى- للأمور قبل وقوعها وكتابتها عنده -سبحانه- في اللوح المحفوظ قبل خلقها، يثمر في قلب العبد طمأنينة إزاء ما يقضيه الله -تعالى- من الأحكام القدرية كالمصائب والمكروهات التي لم تحدث إلا بعلم الله -تعالى- وحكمته، وأنها ليست عبثًا ولعبًا؛ قال -تعالى-: ( قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) (التوبة: 51) .

رابعًا: التسليم لأحكام الله الشرعية، حيث إنها من لدن عليم حكيم، عليم بما يصلح لعباده ويجلب لهم الخير والسعادة في الدارين فيأمرهم به، وعليم بما يجلب لعباده الشر والشقاء في الدارين فينهاهم عنه ويحذرهم منه؛ قال -تعالى-: ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (الملك: 14) ؛ ولذا نجد كثيرًا من آيات الأحكام تختم باسميه سبحانه (العليم، الحكيم). وعن جابر -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: ( إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي، فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي. قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ ) (رواه البخاري) .

خامسًا: إن يقين العبد بعلم الله -تعالى- الشامل لكل شيء، ومن ذلك علمه سبحانه بحال عبده المصاب وما يقاسيه من الآلام، إن ذلك يثمر في القلب الرجاء والأنس بالله -تعالى- ويدفع اليأس والقنوط من القلب؛ لأن العبد إذا أيقن أن ربه -سبحانه- يعلم حاله ولا تخفى عليه خافية في ليل أو نهار، في بر أو بحر أو سماء، تضرع بين يديه ووجه شكواه إليه: قال -تعالى-: ( وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) (الأنبياء: 87- 88) .

سادسًا: تثبيت المؤمنين في ميدان الصراع والنزال مع الباطل وأهله. فإذا قصر علم البشر عن العلم والإحاطة بكيد الكافرين ومكرهم فإن الله -عز وجل- لا تخفى عليه من أمورهم خافية، وهو من ورائهم محيط وعليهم قدير، وهذا الإيمان يجعل المؤمن في مواجهة الخصوم وكيدهم يطمئن قلبه، ويقوي ضعفه، ويقبل على مقارعة عدوه غير هياب ولا وجل؛ قال -تعالى-: ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ) (النساء: 45) .

سابعًا: الحرص على التزود من العلم النافع، والتواضع لله -تعالى- وللخلق بهذا العلم، وهذا إنما يتأتى باليقين بأنه لا علم من علوم الدين والدنيا إلا من الله (الْعَلِيمُ)، ( قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) (البقرة: 32) .

خاتمة:

في معرفة صفة العلم لله -تعالى- رسالة لكل طائع وكل عامل مجتهد بأن (العليم) مطلع على أعمالك، وسيجازيك على إحسانك إحسانًا، كما قال -تعالى-: ( وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ) (البقرة: 197) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ) (البقرة: 270) ، وقال -تعالى-: ( وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) (آل عمران: 92) ، وقال -تعالى-: ( وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (التوبة: 105) .

فاللهم عالم الغيب والشهادة، اهدنا لأحسن الأعمال والأحوال، واجعلنا من عبادك الذين سبق في علمك أنهم من أهل الجنة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فائدة لغوية حول مشتقات الاسم الكريم: "العليم والعالم" اسمان متضمنان صفة العلم، "فالعالم": اسم الفاعل من علم يعلم فهو عالم، و"العليم" من أبنية المبالغة في الوصف بالعلم، وهو بمنزلة "قدير" من "القادر". و"العلَّام" بمنزلة "عليم" في المبالغة في الوصف بالعلم، إلا أن "علاَّمًا" يتعدى إلى مفعول، وبناء "فعَّال" بناء تكثير وزيادة.

الصفحة السابقة