مغبة أكل الحرام والتمادي فيه
الشيخ علاء بكر • التزكية
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمما لا شك فيه أن هناك كثيرًا من الناس يحرصون كل الحرص على أكل الحلال وتحريه، إلا أن هناك الكثير من الناس -نتيجة البعد عن تعلم أحكام الدين وجهلهم بها، خاصة أحكام البيوع والمعاملات- يقعون شاءوا أم أبوا في المعاملات والبيوع المحرمة شرعًا؛ كما أن كثيرين يتعمدون أنواعًا من الغش وأكل أموال الناس بالباطل، إلى جانب تعاونهم مع البنوك الربوية، ناهيك عن جرائم السرقة والغصب والاختلاس، وكذلك انتشار تناول المخدرات والخمور.
كل هذه الأمور جعلت كثيرًا من هؤلاء الناس قطعًا ممن يأكلون الحرام ويتوسعون فيه بلا تحرز، وهم لا يبالون ولا يعبؤون بمغبة ذلك عليهم، وعلى من يعولون من الزوجات والأولاد والأقارب؛ إذ يخشى عليهم أن يمتد أثر أكلهم لهذا الحرام الذي قبلوه وارتضوه بلا توبة وإنابة ورجوع عما هم فيه، فيكون سببًا في منع قبول أعمالهم وعباداتهم الصالحة البدنية والمالية والقولية التي يقومون بها ويحرصون عليها، وحرمانهم أجرها وثوابها، مهما اجتهدوا فيها وتعبوا وبذلوا في أدائها، فجمعوا لأنفسهم بذلك -مع وزر أكل الحرام بأنواعه- فَقْدَ ثواب أعمالهم الصالحة؛ فيا لسوء العاقبة التي تنتظرهم، ويا لسوء المنقلب الذي يهرعون إليه! نسأل الله -تعالى- العفو والعافية، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
جاء في الحديث عن الصحابي الجليل أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ -تعالى- طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ -تعالى- أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) . وَقَالَ -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) . ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ ) (رواه مسلم) .
قوله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ):
قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: " والطيب هنا معناه: الطاهر. والمعنى: أن الله -سبحانه وتعالى- مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها" (جامع العلوم والحكم) .
قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا):
يدخل في ذلك الأقوال والأعمال والاعتقادات؛ قال ابن رجب -رحمه الله-: "وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وإن أكل الحرام يفسد العمل ويمنع قبوله، فإنه قال بعد تقريره: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ )، فقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) (المؤمنون: 51) ، وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) (البقرة: 172) . والمراد بهذا أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال، وبالعمل الصالح، فما كان الأكل حلالًا فالعمل الصالح مقبول، فإذا كان الأكل غير حلال؛ فكيف يكون العمل مقبولًا؟ وما ذكره بعد الدعاء وأنه كيف يقبل مع الحرام فهو مثال لاستبعاد قبول الأعمال مع التغذي بالحرام" (المصدر السابق) .
قول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (المؤمنون: 51):
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير "سورة المؤمنون": "يأمر الله -تعالى- عباده المرسلين -عليهم الصلاة والسلام- أجمعين بالأكل من الحلال والقيام بالصالح من الأعمال؛ فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح. فقام الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- بهذا أتم القيام، وجمعوا بين كل خير قولًا وعملًا ودلالةً ونصحًا، فجزاهم الله عن العباد خيرًا". قال سعيد بن جبير -رحمه الله- والضحاك -رحمه الله- في قوله -تعالى-: ( كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ ): يعني الحلال.
وقد قام النبي -صلى الله عليه وسلم- برعي الغنم في صغره، وعمل بالتجارة، وكان داود -عليه السلام- يأكل من كسب يده.
وروى ابن أبي حاتم -رحمه الله- بسنده عن ضمرة بن حبيب -رحمه الله- أن أم عبد الله أخت شداد بن أوس -رضي الله عنه- بعثت إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بقدح لبن، وذلك في أول النهار وشدة الحر، فرد إليها رسولها: ( أَنَّى كَانَتْ لَكِ الشَّاةُ؟ ) فقالت: اشتريتها من مالي، فشرب منه. فلما كان من الغد أتته أم عبد الله أخت شداد فقالت: يا رسول الله، بعثت إليك بلبن مرثيةً لك من طول النهار وشدة الحر، فرددت إلى الرسول فيه، فقال لها: ( بِذَلِكَ أُمِرَتِ الرُّسُلُ: أَنْ لَا تَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا، وَلَا تَعْمَلَ إِلَّا صَالِحًا ).
قول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقرة: 172):
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "يقول -تعالى- آمرًا عباده المؤمنين بالأكل من طيبات ما رزقهم الله تعالى، وأن يشكروه -تعالى- على ذلك إن كانوا عبيده. والأكل من الحلال سبب لتقبل الدعاء والعبادة، كما أن الأكل من الحرام يمنع قبول الدعاء والعبادة".
ووصف الله -تعالى- المؤمنين بالطيبين؛ قال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ) (النحل: 32) ، وورد أن الملائكة تسلم على المؤمنين عند دخول الجنة ويقولون لهم: ( طِبْتُمْ ) (الزمر: 73) . ومن أعظم ما يحصل به طيبة الأعمال للمؤمن من طيب مطعمه وأن يكون من حلال، فبذلك يزكو عمله.
