مغبة أكل الحرام والتمادي فيه
الشيخ علاء بكر • التزكية
وقد بيَّن الله -تعالى- في الآية التالية لهذه الآية ما حرم على عباده بقوله -تعالى-: ( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ? فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ? إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (البقرة: 173) . قال ابن كثير -رحمه الله-: "ولما امتن -تعالى- عليهم برزقه وأرشدهم إلى الأكل من طيبه ذكر أنه لم يحرم عليهم من ذلك إلا الميتة، وهي التي تموت حتف أنفها من غير تذكية، سواء كانت منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة أو عدا عليها السبع".
قال ابن رجب -رحمه الله-: "وقد اختلف العلماء في حج من حج بمال حرام، ومن صلى في ثوب حرام: هل يسقط عنه فرض الصلاة والحج بذلك؟ وفيه عن الإمام أحمد -رحمه الله- روايتان. وهذه الأحاديث المذكورة تدل على أنه لا يتقبل العمل مع مباشرة الحرام، لكن القبول قد يراد به الرضا بالعمل ومدح فاعله والثناء عليه بين الملائكة والمباهاة به، وقد يراد به حصول الثواب والأجر عليه، وقد يراد به سقوط الفرض به من الذمة. فإن كان المراد هاهنا القبول بالمعنى الأول أو الثاني لم يمنع ذلك من سقوط الفرض به من الذمة، كما ورد أنه لا تقبل صلاة الآبق، ولا المرأة التي زوجها عليها ساخط، ولا من أتى كاهنًا، ولا شرب خمرًا أربعين يومًا. والمراد -والله أعلم- نفي القبول بالمعنى الأول والثاني".
وأضاف ابن رجب -رحمه الله-: "وهو المراد -والله أعلم- من قوله -عز وجل-: ( إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) (المائدة: 27) ؛ ولهذا كانت هذه الآية يشتد منها خوف السلف على نفوسهم، فخافوا أن لا يكونوا من المتقين الذين يتقبل الله منهم. وسئل أحمد -رحمه الله- عن معنى المتقين فيها، فقال: يتقي الأشياء فلا يقع فيما لا يحل له" (راجع جامع العلوم والحكم) .
قال أبو عبد الله الباجي -رحمه الله-: "خمس خصال بها تمام العمل: الإيمان بمعرفة الله -عز وجل-، ومعرفة الحق، وإخلاص العمل لله، والعمل على السنة، وأكل الحلال. فإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل، وذلك إذا عرفت الله -عز وجل- ولم تعرف الحق لم تنتفع، وإذا عرفت الحق ولم تعرف الله لم تنتفع، وإن عرفت الله وعرفت الحق ولم تخلص العمل لم تنتفع، وإن عرفت الله وعرفت الحق وأخلصت العمل ولم يكن على السنة لم تنتفع، وإن تمت الأربع ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع".
قال وهب بن الورد -رحمه الله-: "لو قمت مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل في بطنك: حلال أو حرام".
التصدق بالمال الحرام:
من اكتسب مالًا بوجه محرم شرعًا ثم تصدق به -أو منه- على مسكين أو محتاج فَتَصَدُّقُهُ هذا غير مقبول، كما في صحيح مسلم عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ ) (رواه مسلم) . وفي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بمعناه، ومن لفظ البخاري: ( مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ -وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ- وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ ) (متفق عليه) . وفيه أن الصدقة لا تقوم بحجمها، وإنما تقوم بإخلاص صاحبها، وبالمال الذي أخرجت منه، حلالًا كان أو حرامًا.
وسئل ابن عباس -رضي الله عنهما- عمن كان على عمل فكان يظلم ويأخذ الحرام ثم تاب، فهو يحج ويعتق ويتصدق منه، فقال: "إن الخبيث لا يكفر الخبيث". وكذا قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إن الخبيث لا يكفر الخبيث، ولكن الطيب يكفر الخبيث". وقال الحسن -رحمه الله-: "أيها المتصدق على المسكين ترحمه، ارحم من قد ظلمت" (راجع المصدر السابق) .
والمتصدق بمال اكتسبه بالحرام بظلم أو سرقة أو غصب أو بيع محرم ونحوه: إما أن يتصدق به عن نفسه فلا تقبل صدقته تلك، ولا يؤجر عليها، بل يأثم بتصرفه في مال غيره بغير إذنه.
وإما أن يتصدق به عن صاحبه الذي أخذ منه هذا المال ثم عجز عن رده إليه أو إلى ورثته، فهذا جائز عند أكثر العلماء، منهم مالك -رحمه الله-، وأبو حنيفة -رحمه الله-، وأحمد -رحمه الله-، وغيرهم. وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهما- أنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه. فإرصاد المال الذي لا يعرف صاحبه للأبد يعرضه للإتلاف أو الضياع أو استيلاء الغير عليه، فيتصدق به، على أن تكون الصدقة عن صاحب المال الذي تعذر إعادة المال إليه، ليكون نفعه له في الآخرة، حيث يتعذر عليه الانتفاع به في الدنيا، كما هو الحال في اللقطة، يجوز التصدق بها بعد التعريف بها سنة وانقطاع صاحبها. والله -تعالى- أعلم. (ينظر في ذلك: جامع العلوم والحكم) .
وقول أبي هريرة -رضي الله عنه- في الحديث: ( ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ ): أشعث الشعر: أغبر، وشعث بدنه: اتسخ، فهو أشعث. والشعر الأشعث: الذي لا يدهن ولا يسرح، ولا يهتم بمظهره.
وأغبر: أي أغبر الثياب، علاه الغبار، والغبار: ما دق من التراب أو الرماد. وجاء في القرآن الكريم قوله -تعالى- في وصف أهل النار: ( وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ . تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ . أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) (عبس: 40- 42) .
وفي هذا الحديث إشارة إلى أربعة آداب من آداب الدعاء التي يرتجى معها قبول الدعاء، وهي:
