مغبة أكل الحرام والتمادي فيه
الشيخ علاء بكر • التزكية
1- السفر: ففيه مظنة حصول انكسار النفس مع طول الغربة وتحمل المشاق، والانكسار بين يدي الله تعالى، وإظهار الافتقار إلى الله -تعالى- والشكوى إليه، بما يرجى معه قبول الدعاء. وفي الحديث عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ ) (رواه ابن ماجه، ورواه أبو داود بلفظ: «دعوة الوالد»، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه) .
والمسافر مفارق لوطنه، ويظل مسافرًا حتى يرجع إليه، ودعوة المسافر هي دعوة محتاج غالبًا، كأن يدعو أن ييسر له في سفره، وأن يعينه ويهونه عليه، أو غير ذلك من الدعوات، فإذا احتاج العبد المسافر لأمر ودعا ربه أوشك أن يستجاب له، فالله -تعالى- يستجيب لدعوة المضطر ويستجيب لدعوة المحتاج أكثر مما يستجيب لغيرهما.
2- التبذل في الهيئة واللباس: فهو أشعث الشعر أغبر الثياب، من طول السفر، ووعورة ومشقة الطريق، وربما مع قلة الزاد والمؤونة وقلة ذات اليد. وإظهار المسكنة والخضوع بين يدي الله -تعالى- في الدعاء مطلوب، كما كان خروج النبي -صلى الله عليه وسلم- لصلاة الاستسقاء متضرعًا متواضعًا متبذلًا، وكما في قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المرفوع: ( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ) (رواه مسلم) .
3- رفع اليدين عاليًا يمدهما إلى السماء: ففي حديث سلمان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) . ورفع النبي -صلى الله عليه وسلم- يديه في دعاء الاستسقاء حتى رؤي بياض إبطيه.
4- الإلحاح في الدعاء: ومنه تكرار ذكر ربوبيته -تعالى- في الدعاء: ( يَا رَبِّ، يَا رَبِّ )، والتوسل بربوبية الله -تعالى- للعباد بين يدي الدعاء في الأدعية القرآنية، وفي أدعية الأنبياء والمرسلين كثير، إذ تفتتح هذه الأدعية غالبًا باسم الرب؛ كقول الله -تعالى-: ( رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) (البقرة: 201) ، وقول الله -تعالى-: ( رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، وَاعْفُ عَنَّا، وَاغْفِرْ لَنَا، وَارْحَمْنَا، أَنْتَ مَوْلَانَا، فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (البقرة: 286) . وقال الله -تعالى-: ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا، سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ، رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا، رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا، وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ، رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ، وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) (آل عمران: 191- 194) .
ومثل هذا كثير في القرآن الكريم؛ سئل مالك -رحمه الله- وسفيان -رحمه الله- عمن يقول في الدعاء: "يا سيدي"، فقال: "ألا يقول: يا رب". زاد مالك -رحمه الله-: "كما قال الأنبياء".
ورغم وجود هذه الأسباب الأربعة مجتمعة، وهي التي يرجى مع كل واحد منها وقوع إجابة الدعاء، فقد حُرِمَ هذا الداعي إجابة الدعاء بسبب توسعه في الحرام أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذية. قال وهب بن منبه -رحمه الله-: "من سره أن يستجيب الله دعوته فليطب طعمته". وورد في الحديث الذي رواه الطبراني في الأوسط قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لسعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-: "أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةِ" (رواه الطبراني، والحديث ضعيف الإسناد صحيح المعنى) .
فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام والتغذي به من جملة موانع إجابة الدعاء. قال بعض السلف: "لا تستبطئ الإجابة وقد سددت طرقها بالمعاصي".
وقوله في الحديث: ( فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ ) معناه: كيف يستجاب له؟ فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد.
