شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (23) اسم الله (اللطيف) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) ، وقال: ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) (الإسراء: 110) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (متفق عليه) .

- ورد هذا الاسم الكريم (اللطيف) في القرآن سبع مرات: قال -تعالى-: ( اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ) (الشورى: 19) ، وقال -سبحانه-: ( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) (يوسف: 100) . وقال حكاية عن لقمان -عليه السلام-: ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) (لقمان: 16) ، وقال -تعالى-: ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (الملك: 14) . وغيرها.

- معنى اسم الله (اللطيف): قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "واسمه اللطيف يتضمن: علمه بالأشياء الدقيقة، وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية" (شفاء العليل) .

وقال عن هذين المعنيين في نونيته:

وهـو الـلـطيـف بعـبـده ولعبده واللطف في أوصافـه نـوعـان

إدراك أسـرار الأمـور بـخـبـرة واللطف عند مواقع الإحـسـان

وقال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "(اللطيف) الذي أحاط علمه بالسرائر والخفايا، وأدرك الخبايا والبواطن والأمور الدقيقة. (اللطيف) بعباده المؤمنين، الموصل إليهم مصالحهم بلطفه وإحسانه من طرق لا يشعرون بها. فهو بمعنى الخبير، وبمعنى الرؤوف".

مدخل وعظي لإثارة النفوس للتعرف على اسم الله (اللطيف):

- (قصة عامل المبولة): كان رجل صالح فقير جدًّا، يعمل خادمًا على دورة مياه عامة، فقررت الهيئة الحكومية إجراء اختبار للعاملين في القراءة والكتابة (محو الأمية)، ومن نجح جددوا له عقد الخدمة والعكس، فجاء الرجل ليلة الامتحان إلى إمام المسجد، وطلب منه أن يدعو الله له بالنجاح، فقال الشيخ الفقيه: اللهم قدِّر له الخير، فقال الرجل متسائلًا: أنا أقول لك أن تدعو لي بالنجاح، فقال الشيخ: إنك لا تدري أي الحالين لك خير! وانصرف الرجل غير راضٍ بما قال الشيخ، وفي اليوم التالي ذهب إلى الامتحان، وظهرت النتيجة بعد ذلك بالرسوب، وعليه تم إخراج الرجل من عمله، وظل الرجل حزينًا كئيبًا أيامًا، وهو يفكر في أسباب الرزق لأولاده! فقام بصناعة عربة خشبية صغيرة جدًّا لبيع اللب والسوداني بجوار المبولة! ودارت الأيام والشهور، ووجد الرزق أكثر من راتب المبولة، فقرر أن يؤجر محلًّا صغيرًا تحسينًا للرزق، ودارت الشهور والسنون، والرزق يزداد يومًا بعد يوم، فقرر شراء محلٍّ أكبر وأفضل، وهكذا ظل الرزق يزيد، والرجل يطور من عمله، حتى صار الرجل من أكبر التجار في بلده! الله أكبر.

وهنا يأتي السؤال: ماذا لو نجح الرجل في امتحان محو الأمية؟! لكن اللطيف يوصل الخير إلى عبده من طريق خفي! قال -تعالى-: ( اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ) (الشورى: 19) .

وصدق الشاعر القائل:

وكـم لـلـه من لـطــف خــفـي يدق خفاه عن فـهـم الـذكـي

وكم يسر أتى مـن بعد عـسر فـفرج كـربة القـلـب الشجي

وكم أمـر تـسـاء به صـباحـًا وتأتـيـك الـمـسرة بالـعـشـي

إذا ضاقت بك الأحوال يومـًا فثق بالواحد الـفـرد العـلـي

ولا تجزع إذا ما ناب خـطب فـكـم لله مـن لـطــف خـفـي

الوقفة الأولى: حول المعنى الأول (إدراك أسرار الأمور بخبرة):

- اللطيف عليم بدقائق الأمور، خبير بأسرارها: قال -تعالى-: ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) (لقمان: 16) .

- ومن لطفه بعباده: أنه يقدِّر أرزاقهم بحسب علمه بمصلحتهم لا بحسب مراداتهم، فقد يريدون شيئًا وغيره أصلح فيقدِّر لهم الأصلح وإن كرهوه لطفًا بهم وبرًّا وإحسانًا، قال -تعالى-: ( اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ) (الشورى: 19) .

- فهذا من عباده يصلح أمره بالغنى، وهذا يصلح أمره بالفقر، وهذا يقلِّبه بينهما: روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، رَبُّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يَصْلُحُ إِيمَانُهُ إِلَّا بِالْغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَكَفَرَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يَصْلُحُ إِيمَانُهُ إِلَّا بِالْقِلَّةِ وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَكَفَرَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يَصْلُحُ إِيمَانُهُ إِلَّا بِالسُّقْمِ وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لَكَفَرَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يَصِحُّ إِيمَانُهُ إِلَّا بِالصِّحَّةِ وَلَوْ أَسْقَمْتُهُ لَكَفَرَ".

الوقفة الثانية: حول المعنى الثاني (اللطف عند مواقع الإحسان):

الصفحة التالية