ازهد في الدنيا زهد العابر الغريب
الشيخ علاء بكر • التزكية
وعلى هذا كان هديه -صلى الله عليه وسلم- دائمًا، فكان في هذا الباب الإمام والقدوة والأسوة الحسنة لمن حوله قولًا وعملًا، وكان على الدوام يحث أصحابه -رضي الله عنهم- عليه، والشواهد على ذلك كثيرة:
- قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رَاكِبٍ قَالَ ) (من القيلولة) ( فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ) (رواه أحمد، والترمذي عن ابن مسعود -رضي الله عنه-، وصححه الألباني) . ومدة هذه القيلولة تحت الشجرة تنتهي بزوال ظلها وهي بالطبع مدة قصيرة. وعمر الإنسان يتناقص كما يتناقص ظل الشجرة حتى ينتهي بالموت، ولا يتبقى للإنسان إلا ما عمله وما قدمه، فالحياة أشبه بزيارة ضيف أو سحابة صيف، وحياة المؤمن فيها كحياة العابر الغريب.
- وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: نام رسول الله على حصير، فقام وقد أثَّر في جنبه. قلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاءً! فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
- وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ ) (رواه مسلم) .
- وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ ) (رواه مسلم) .
- وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ ) (رواه مسلم) .
- وعن فضالة بن عبيد الأنصاري -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا، وَقَنِعَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
- وعن فضالة بن عبيد -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي بالناس فيخر رجال من قامتهم في الصلاة من الخصاصة (الفاقة والجوع الشديد) -وهم من أهل الصفة- حتى يقول الأعراب: هؤلاء مجانين، فإذا صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- انصرف إليهم، فقال: ( لَوْ تَعْلَمُونَ مَا لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَأَحْبَبْتُمْ أَنْ تَزْدَادُوا فَاقَةً وَحَاجَةً ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)) .
- وعن عبد الله بن الشخير -رضي الله عنه- قال: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقرأ ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ) (التكاثر: 1) ، قال: ( يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟ ) (رواه مسلم) .
- وعن جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مر بالسوق، والناس في كنفتيه (جانبيه)، فمر بجدي أسك (أي صغير الأذن) ميت، فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: ( أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟ ) فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ؟ ) قالوا: والله لو كان حيًّا لكان عيبًا فيه لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ ) (رواه مسلم) .
- وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: "خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ" (رواه البخاري) . وفي رواية: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تِبَاعًا مِنْ خُبْزِ حِنْطَةٍ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا" (متفق عليه) .
- وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا ) (متفق عليه) . ومعنى قوتًا: أي ما يسد الرمق.
- وعن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: ذكر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ما أصاب الناس من الدنيا، فقال: ( لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَظَلُّ الْيَوْمَ يَلْتَوِي مَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ ) (رديء التمر) ( مَا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ ) (متفق عليه) .
- وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبِيتُ اللَّيَالِيَ طَاوِيًا، وَأَهْلُهُ لَا يَجِدُونَ عَشَاءً، وَكَانَ أَكْثَرُ خُبْزِهِمْ خُبْزَ الشَّعِيرِ" (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) .
- وعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت لعروة بن الزبير: "وَاللَّهِ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ نَارٌ". فقلت (أي عروة): يا خالة فما كان يعيشكم؟ قالت -رضي الله عنها-: "الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- جِيرَانٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، فَكَانُوا يُرْسِلُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ أَلْبَانِهَا فَيَسْقِينَا" (متفق عليه) . والمنائح: جمع منيحة، وهو ما يحلب.
