شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

ازهد في الدنيا زهد العابر الغريب

الشيخ علاء بكر • التزكية

- وعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: أخرجت لنا عائشة -رضي الله عنها- كساءً وإزارًا غليظًا، فقالت: "قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي هَذَيْنِ" (متفق عليه) .

- وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ" (رواه البخاري) .

- وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: " تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا فِي بَيْتِي مِنْ شَيْءٍ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَطْرُ شَعِيرٍ " (أي: شيء من شعير) (متفق عليه) .

- فإن قيل: هل يعارض ما ورد في الشرع من ذم طول الأمل ما جاء في الشرع من الحث على السعي والعمل وعمارة الأرض؟

فالجواب: أنه لا تعارض بينهما.

- فالإنسان مكلف بالعمل والسعي والأخذ بالأسباب والتكسب لينفق على نفسه وعلى من يعول ولا يكون عالة على غيره، وهو مأجور على اجتهاده في ذلك العمل. وفي الحديث المرفوع: ( إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَلَّا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) . فيؤجر المرء على الأعمال عند الله تعالى يوم القيامة حتى وإن لم يحصد ثمارها في الدنيا ويدرك نتائج ما قام به، جزاء أنه استجاب لما أمر به من العمل والكد. ولكونه لا يدري متى يدركه الأجل فلا يغفل عن العمل للآخرة، فيقصر بذلك أمله، ولا يستكثر من طلب الدنيا ويتلهى بها. فيأخذ منها ما يكفيه، ويدع منها ما يطغيه.

- فعمارة الأرض مطلوبة شرعًا، وترك التهافت والاستكثار من حطام الدنيا أيضًا مطلوب شرعًا.

- والبعد عن طول الأمل الذي يؤدي إلى إيثار الدنيا والرضا بها والركون إليها مطلوب.

- ولا يمنع الزهد في الدنيا المرء من العمل والتكسب والإنفاق من هذا الكسب على النفس والأهل. فالمطلوب أن تكون الدنيا في يد الإنسان يتملك منها ما قُدِّر له لكنها لا تتملك شغاف قلبه، فلا يستولي حب الدنيا على قلب العبد فيرديه. وفي هذا المعنى ورد عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قوله: "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا".

فوائد من الحديث:

- الحرص على الأوقات، فالوقت رأس مال الإنسان، ينبغي ألَّا ينفقه إلا فيما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة.

- تجنب فضول المخالطة غير المرغوب فيها، وتجنب فضول الكلام والقيل والقال وفضول الطعام والشراب.

- من تيقن جواز رحيله من الدنيا في أي وقت لا يربط أعماله بجني ثمارها، ولا يتطلع إلى الحصاد القريب.

- الإكثار من ذكر الآخرة وعدم الغفلة عن العمل لها ليل نهار.

- على الإنسان الأخذ بالأسباب والرضا بالنتائج مهما كانت.

- الدنيا دار عمل لا دار جزاء، والآخرة هي دار القرار.

- ضرورة إعداد الزاد الجيد ليوم المعاد باغتنام الخيرات. وقصر الزاد في الدنيا على ما لا يزيد عن زاد الراكب.

- الحياة الحقيقية هي الحياة الآخرة. كما قال الله تعالى: ( وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (العنكبوت: 64) . وكما قال تعالى: ( يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) (الفجر: 23-24) ، أي: قدمتُ للآخرة، إذ هي الحياة الحقيقية.

الصفحة السابقة