شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

ازهد في الدنيا زهد العابر الغريب

الشيخ علاء بكر • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد روى البخاري وغيره عن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- أنه قال: أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنكبي فقال: ( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ).

وهذا الحديث أصل عظيم في حث المسلم على قصر الأمل وعدم الركون إلى الحياة الدنيا، ويتضمن الحثَّ على الزهد في الدنيا، وعدم الاستكثار منها أو التلهي بها عن الآخرة.

وفي زيادة للترمذي وابن ماجه: ( وَعُدَّ نَفْسَكَ فِي أَهْلِ الْقُبُورِ )، وعند أحمد والطبراني والبيهقي: ( وَاعْدُدْ نَفْسَكَ ) بَدَلًا من ( وَعُدَّ )، وعند البيهقي في رواية: ( مِنَ الْمَوْتَى وَأَهْلِ الْقُبُورِ ).

- وعبد الله بن عمر هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- راوي الحديث يُعَدُّ من كبار الزهَّاد، ومن أشد المتمسكين بهديه -صلى الله عليه وسلم- وسنته، وفي مقدمة المقتدين به -صلى الله عليه وسلم- في العبادة والعمل. أسلم صغيرًا بمكة قبل الهجرة، وهاجر مع أبيه إلى المدينة. أراد الخروج والمشاركة في القتال يوم أُحُد، ورَدَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- لصغر سنه، ثم أجازه في غزوة الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، ولم يتخلف بعدها عن مشاركة النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزواته.

هذا عن جهاده، أمَّا عن علمه فقد اشتهر بالعلم والفُتْيا، فهو أحد العبادلة الأربعة المشهورين بالعلم والفُتْيا في المدينة، وهم عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير -رضي الله عنهم أجمعين-. ويُعَدُّ ابن عمر سادس الصحابة -رضي الله عنهم- في كثرة الرواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، بعد كل من أبي هريرة، وابن عباس، وعائشة، وجابر، وأنس -رضي الله عنهم-، حيث روى ابن عمر ألفًا وستمائة وثلاثين حديثًا. قيل: حج البيت ستين مرة، واعتمر نحو ألف عمرة، وأعتق نحو ألف رقبة. وقد توفي -رضي الله عنه- عام 73 أو 74 هجريًّا عن عمر ناهز 84 أو 86 عامًا.

مفردات الحديث:

- قول ابن عمر -رضي الله عنهما-: "أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنكبي" أي: تناول منكبيه بيديه الشريفتين. والمنكب: مجمع العضد والكتف. فَعَل -صلى الله عليه وسلم- ذلك مع ابن عمر ليتفطن وينتبه لما سيقوله له ويلقيه عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من النصح والإرشاد. ففيه استحضار للقلب وتنبيه؛ ليكون الأمر بذلك أبعد عن النسيان، على ما في ذلك من تأنيسه لقلبه وإظهار الشفقة عليه، وفيه دليل على محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- لابن عمر -رضي الله عنهما-.

- قوله -صلى الله عليه وسلم- لابن عمر: ( كُنْ فِي الدُّنْيَا )؛ أي: خلال مدة إقامتك في الدنيا، ( كَأَنَّكَ غَرِيبٌ )؛ أي: كن متشبهًا فيها بحال الغريب. والغريب إذا حل في دار غربة بعيدًا عن وطنه وأهله وأرضه لا يتعلق بدار الغربة، بل يتقلل منها، إذ هو في النهاية راحل عنها ولا بُدَّ، وعائد إلى وطنه طال الوقت أم قصر؛ لذا يقلل من مخالطة أهلها إلا ما احتاج إليه من مخالطتهم، ويزهد في كل ما حوله من المفاتن والزينة ولا ينشغل بها، ولا ينافس أهلها فيما هم فيه، ولا يشاركهم في خصوماتهم حولها، مُعْرِضًا عن رأيهم فيه ونظرتهم إليه إن عابوا ذلك منه.

والمراد من طلب التشبه بالغريب في الدنيا التخفف والإقلال من حطام الدنيا ومتاعها، وعدم الانشغال بها عن الآخرة، وذلك بطلب الأعمال الصالحات، واغتنام الصحة وأوقات الفراغ في الطاعات المقربة إلى الله تعالى، والحذر من طول الأمل وتسويف التوبة.

- قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ): أو للعطف، أو تكون بمعنى بل، وهو الأقرب. وعابر السبيل: هو مجتاز الطريق. وعابر السبيل أشد من الغريب في ترك التعلق بما حوله إذ المكث عنده قليل والرحيل أسرع. وهذا من باب عطف الخاص على العام، فكل عابر سبيل هو غريب، وليس كل غريب بعابر سبيل، أو هو من باب الترقي في المعنى والمراد، إذ حال عابر السبيل أشد بُعْدًا عن التعلق بما حوله.

وقد استوعب ابن عمر -رضي الله عنهما- المراد من هذا الحديث فكانت حياته كلها -رضي الله عنه- أشبه بتطبيق مستمر لهذا الحديث في أحواله وأعماله وأقواله، فكان -رضي الله عنه- من ناحية العمل من كبار العبَّاد والزهَّاد، شديد الاقتداء بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- ومتابعته. وفي الأقوال جاء عنه -رضي الله عنه- أنه كان يقول: "إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ" (رواه البخاري) .

ومراده: انتظر الموت في أي وقت وعلى كل حال، واعمل بمقتضى هذا الانتظار، إذا دخلت في المساء فلا تنتظر الصباح، وإذا دخلت في الصباح فلا تنتظر المساء، أي: اجعل الموت دائمًا نصب عينيك، واغتنم العمل حال صحتك وعافيتك قبل أن تدهمك الأمراض، واغتنم حياتك قبل أن يدركك الموت. وكلام ابن عمر هذا فيه حث واضح على قصر الأمل وترك التعلق بالدنيا والزهد في متاعها الموصل للمراد من حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه ابن عمر عنه. فمن قصر أمله زهد، ومن طال أمله رغب، ومن رغب في الدنيا ساء عمله فيها. يقول الحسن البصري -رحمه الله- في ذلك: "ما أطال العبد الأمل إلا أساء العمل"، وعنه قال: "رحم الله امرءًا نظر لنفسه وبكى على ذنوبه، ( إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا ) (مريم: 84) ".

وروى الترمذي أيضًا عن ابن عمر أنه كان يقول: "إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سُقْمِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ غَدًا" (رواه الترمذي، وصححه الألباني) . يريد: أنك لا تدري أتكون في الغد مع الأحياء أو مع الأموات. والمراد: احرص دائمًا على الأعمال الصالحات، بما يليق من الوظائف المتعلقة بالوقت الذي أنت فيه.

الصفحة التالية