شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وكذلك نفصِّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد قدَّر الله -عز وجل- أن تكون الفتن يمتحن بها عباده ( الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) (العنكبوت:1-3) .

ومَن تأمل في الفتن التي أخبر عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها تكون في آخر الزمان؛ وجد أن الفتنة تكون في غاية الشدة، وكذلك تكون الأمور في غاية الوضوح؛ فالدجال فتنته أعظم فتنة منذ خُلق آدم -عليه السلام- إلى أن تقوم الساعة، أقدره الله -عز وجل- على أن ( يَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ -سارحة من آمنوا به وقبلوا دعوته الباطلة- أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًا، وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) (رواه مسلم) (1) .

وقدَّر الله أن يكون معه جنة ونار على عكس الحقيقة؛ فالتي يراها الناس جنة هي نار تحرق، والذي يراه الناس نارًا هو ماء عذب طيب، وكُلف المؤمنون أن يأتوا ما يرونه نارًا، وهذا -والله- من أعظم الفتن وأشدها، وهو مع هذا كله وأمثاله مكتوب بين عينيه: "كافر"، "كاف - فاء - راء" يقرؤها كل مؤمن.

وهو أعور، و( إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ ) (متفق عليه) ، فسبحان الله! على قَدْر عِظم الفتنة كان عظم البيان؛ حتى لا يختلط الحق بالباطل، وتظل سبيل المؤمنين مفترقة عن سبيل المجرمين بما يبينه الله ويفصله مِن الآيات الشرعية والآيات الكونية.

وكذلك الفتن التي تموج كموج البحر التي أخبر عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ) (رواه مسلم) (2) .

وكما تصير القلوب في آخر الزمان إلى قلبين فقط: أبيض وأسود؛ كذلك العسكر ينقسمون إلى: معسكر إيمان لا نفاق فيه -وتأمل ذكر النفاق وليس الكفر-، ومعسكر نفاق لا إيمان فيه قبيل الدجال، كما في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَذَكَرَ الْفِتَنَ فَأَكْثَرَ فِي ذِكْرِهَا حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الأَحْلاَسِ، فَقَالَ قَائِلٌ: "يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا فِتْنَةُ الأَحْلاَسِ؟"، قَالَ: ( هِيَ هَرَبٌ وَحَرَبٌ، ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ، دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي، وَلَيْسَ مِنِّي، وَإِنَّمَا أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ، ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَعٍ، ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ، لاَ تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلاَّ لَطَمَتْهُ لَطْمَةً، فَإِذَا قِيلَ: انْقَضَتْ، تَمَادَتْ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ: فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لاَ نِفَاقَ فِيهِ، وَفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لاَ إِيمَانَ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ ذَاكُمْ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ، مِنْ يَوْمِهِ، أَوْ مِنْ غَدِهِ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) (3) .

فهذه الفتن العظيمة في آخر الزمان يكون النفاق وجنوده فسطاطًا واحدًا بلا إيمان، مع أنهم يُنسَبون إلى الدين ويدعون الإسلام، وهذا التميز الواضح إنما يقع من خلال المواقف التي يتخذها الناس في مواطن الفتن، ويتجدد ولاؤهم وانتماؤهم بناءً على أعمالهم، وكل هذا بما يفصله الله من الآيات، فالآيات الشرعية بيَّن فيها -سبحانه- صفات المنافقين وأحوالهم وأعمالهم، ومعرفتها من أعظم الأمور أهمية لكل مؤمن؛ حتى لا يغره نفاق المنافقين بانتسابهم إلى الدين، فيستجيب لهم، ويطيعهم ويدعو غيره لذلك، وهم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها، فهذا هو الخطر العظيم.

وتأمل جملة من هذه الآيات الشرعية، وتأمل ترتيب صفات المنافقين فيها؛ لتعرف قدر عظم القضية، قال الله -تعالى-: ( بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا . الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا . وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا . الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً . إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلاً . مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ) (النساء:138-143) .

الصفحة التالية