شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وكذلك نفصِّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

فأدل صفة يُعرف بها المنافقون: اتخاذهم الكافرين أولياء من دون المؤمنين -ابتغاء العزة عندهم-، والسكوت على كفرهم واستهزائهم، وطعنهم في آيات الله!

وكم تجد النفاق اليوم قد صار علانية بهذه الصفات، وقال الله -تعالى-: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا . فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا . وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا . فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:60-65).

وأدل صفة يعرف بها المنافقون في هذه الآيات: إرادة التحاكم إلى الطاغوت، وهو: "كل من حكم بغير ما أنزل الله" التي تتنافى مع زعم الإيمان بالله، والقرآن، وما قبله من الكتب والشرائع، وتدل على عدم كفرهم وبراءتهم منه؛ فكيف بمن يفرض التحاكم إليه ويصد عن كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- صدودًا، ويأبى ذلك تصريحًا لا تلميحًا، وفعلًا وقولًا لا مجرد إعراض أو انصراف، وقال الله -تعالى-: ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (التوبة:67) ؟!

فأول ما يُعرف به المنافقون في هذه الآية: أمرهم بالمنكر، وهو: كل ما استنكره الشرع، وأعظمه نكارة: العقائد الفاسدة؛ فتجدهم يدعون إلى مساواة الملل ودعاء غير الله، وربما نهوا الناس عن الدخول في الإسلام، وأمروهم بالبقاء على الكفر!

وينهون عن بيان كفر الكافرين!

وينهون عن الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله، والإنفاق في مرضاته!

وينهون عن العفة والطهارة والحجاب، ويحبون أن تشيع الفاحشة في المجتمعات المسلمة!

وينهون عن اتباع السنة بزعم أنها تشدد وتطرف!

وقال الله -تعالى-: ( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلاً . مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً ) (الأحزاب:60-61) ، وقال الله -تعالى-: ( فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ) (الأحزاب:32) ، وقال الله -تعالى-: ( فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ) (البقرة:10) .

فهم مرضى القلوب: بالشهوات المغوية، والشبهات المضلة، وكل منهما يؤدي إلى الآخر ويقويه ويزيده؛ ولذا كانت تروس أهل البدع من المنافقين؛ لمرض قلوبهم، ولا عجب أن تجدهم أعوان الكافرين إذا احتلوا بلاد المسلمين، وقبلها وبعدها يسومون المؤمنين سوء العذاب، ولا يرقبون فيهم إلًّا ولا ذمة، وأفعالهم بأهل السنة ليست بخافية على أحد، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ) (متفق عليه) ، وقال: ( أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ ) (متفق عليه) .

وأنت تسمع مَن يَصف الصدق والشفافية، وهو في حقيقته قاع الكذب والتزوير!

ومَن يصف الوفاء، وهو أخون الناس لأمته وشعبه!

ومن يدعي الأمانة، وهو يخون في أعظم الأمانات بينه وبين الله، وبينه وبين الناس، وخصوصًا ما استؤمن عليه من أمور المسلمين العامة والخاصة، وولاياتهم، ومصالحهم!

فصارت الولاية مغنمًا لنيل الكسب الحرام، وتجد من يستحل كل المحارم عند الخصومة لا يعرف حرمة لدم، ولا عرض، ولا مال، ولا حرمة لدار، ولا وقت، ولا أهل وأولاد، ولا أمان.. كل ذلك من الفجور في الخصومة.

ولو تقصينا ما ورد في الكتاب والسنة من تبيين سبيل المجرمين لطال بنا الكلام، وإنما أردنا أن الله يفصل الآيات الشرعية، والتي يفسرها رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ حتى تتضح سبيل المجرمين من سبيل المؤمنين بظهور قضايا الفرقان حتى لا يلتبس الحق على أحد، وإن كان الحق ضعيفًا في الناس، لكنه في غاية القوة في نفسه، وفي نفوس المؤمنين حجة ونورًا، وهداية ودعوة، وإن كان الباطل قويًا عند الناس ظاهرًا منتفشًا، لكنه في غاية العجز ضعفًا ومهانة، وبيانًا وذلاً.

الصفحة السابقة الصفحة التالية