شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وكذلك نفصِّل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

وكذلك يفصِّل الله الآيات الكونية بما يقدره من وقائع تبرز قضايا الفرقان في الواقع العملي كما هي بارزة ظاهرة في آيات الكتاب؛ حتى يعرف كل إنسان إلى أي الفسطاطين ينتمي، وأي القرارات الحاسمة يتخذ، وأي المواقف الصعبة يقف حتى تستبين سبيل المجرمين؛ فمن سار فيها بعد البيان فهو الذي اختار لنفسه، وإن كان يعلم ذلك أول ما يتخذ قراره إلا أنه سرعان ما يقنع نفسه بأنه صاحب حق، وأنه على سبيل الهدى، فيضله الله على علم، ويختم على سمعه وقلبه، ويجعل على بصره غشاوة، فيرى الحق باطلاً والباطل حقًا، والعدل ظلمًا والظلم عدلاً، والكذب صدقًا والصدق كذبًا، وهو الذي اختار لنفسه بعد البيان، ولا يظلم ربك أحدًا.

ووظيفة الدعاة إلى الله البيان الذي لا لبس فيه لقضايا الفرقان التي يضغط الأعداء لتذويبها وعدم الخوض فيها، ثم للكلام بما يناقضها حتى لا يعلم الناس مَن الولي ومَن العدو! وتضييع معالم الهوية، ويبيع أناس دينهم بعرض من الدنيا، فإذا جاء الأعداء إلى بلاد المسلمين وجدوا جيوشًا تحارب لهم معاركهم، وهم في قصورهم يلهون ويلعبون ويخططون ويمكرون، ويصدرون الأوامر لعبيد، ولو بالهلاك واقتحام البحار المنفلقة خلف الفراعين، والإقدام على تدمير أنفسهم، فهم عندهم بلا قيمة ولا معنى، ولا مانع من قتلهم للتسلية أحيانًا!

ووجدوا مَن ينفذ لهم مخططاتهم في الأمة بحذافيرها -وأحيانًا أكثر مما يريدون- فمَن ساهم ممن ينتسب إلى الدين والعلم والدعوة في تضييع قضايا الفرقان بين سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين غاش لأمته مضيع لأمانته، سواء كان ذلك بالتأصيل المخالف لهذه القضايا الفارقة فيقول الباطل، ويكذب بالحق، ويفتري على الله الكذب، ويحرف الكلم عن مواضعه؛ إرضاءً لأصحاب السلطان أو كان ذلك بكتمان الحق أو السكوت عنه ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ . إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ . وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ) (البقرة:159-163) .

وأدنى مَن ذلك درجة مَن يضع هذه القضايا التي تفرق بين سبيل المجرمين وسبيل المؤمنين في غير حجمها الحقيقي كما بينها الكتاب العزيز فيهمشها ويصغرها ويهونها، فربما تكلم عنها كلمة كل عشرين سنة فإذا نشأت أجيال لا تعرفها فعوتب في ذلك قال: "قد تكلمت وأوضحت وبينت"!

وربما سطر سطرًا واحدًا وسط مئات السطور وعشرات المؤلفات، مع أن هذه القضايا تتكرر على مسامع مَن يستمع القرآن، ولسان من يقرؤه، وعيني من ينظر فيه عشرات بل مئات المرات لتحدد الهوية وتبرز المرجعية لكلٍ من السبيلين، فهل من واعين لهذه الحقائق؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ( تَرُوح ) أي: تَرْجِع آخرَ النهار، و( السَّارِحَة ) هي: الماشِيَة التي تَسْرَحُ؛ أي: تَذهب أَوَّلَ النهار إلى المَرْعَى، و( الذُّرَى ) جَمْعُ: ذِرْوَة؛ وهي: الأَعَالِي والأَسْنِمَة، و( أَسْبَغَهُ ) أي: أَطْوَلَه؛ لكثرة اللَّبَن، وكَذَا ( أَمَدَّهُ خَوَاصِرَ )؛ لكثرة امتلائهَا مِن الشِّبَع. (انظر شرح النووي على صحيح مسلم).

(2) ( نُكِتَ ) أي: نُقِطَ، و( نُكْتَة ) أي: نُقْطَة، و( الصَّفَا ) هو: الحَجَر الأَمْلَس الذي لا يَعْلَقُ به شَيْءٌ، و( مُرْبَادًّا ) مِنَ الرُّبْدَة؛ وهي لَوْنٌ بين السَّوَاد والغَبَرَة، و( مُجَخِّيًا ) أي: مَائِلاً مَنْكُوسًا. (ينظر: شرح النووي على صحيح مسلم) .

(3) ( الأَحْلاس ) جَمْعُ: حِلْس؛ وهو الكِسَاء الذي يَلِي ظَهْرَ البَعِير تَحْتَ القَتَب؛ وشَبَّهَ الفِتنةَ بها لِدَوَامِها وطُولِ لُبْثِها أو لِسَوَادِ لَوْنِها وظُلْمَتِها، و( هَرَبٌ ) أي: يَفِرُّ بعضُهم من بعض؛ لِمَا بينهم من العَدَاوة والمُحَارَبة، و( حَرَبٌ ) هو: نَهْبُ مال الإنسان وتَرْكُهُ لا شَيْءَ له، وقيل: ذَهابُ المال والأهل، و( فتنة السَّرَّاء ) قيل: أُضِيفَتْ الفتنةُ إلى السَّرَّاء؛ لأنَّ السببَ في وُقوعها ارتكابُ المعاصي بسبب كثرة التَّنَعُّم، أو لأنها تَسُرُّ العَدُوَّ، و( دَخَنُها ) أي: ظُهُورُها وإثارَتُها، و( كَوَرِكٍ عَلَى ضِلَع ) هو مَثَلٌ؛ ومعناه: الأَمْرُ الذي لا يَثْبُت ولا يَستقيم؛ وذلك أنَّ الضِّلَعَ لا يَقُومُ بِالوَرِكِ! و( فتنة الدُّهَيْمَاء ) الدَّهْمَاءُ: السَّوْدَاء، والتَّصْغِيرُ للذمِّ؛ أي: الفتنةُ العَظْمَاءُ والطَّامَّةُ العَمْيَاءُ، و( لَطَمَتْهُ لَطْمَةً ) أي: أصابتْه بمِحْنَةٍ ومَسَّتْهُ بِبَلِيَّةٍ، و( فُسْطَاطَيْنِ ) أي: فِرْقَتَيْنِ. (انظر عَوْن المَعبود).

الصفحة السابقة