شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (24) اسما الله (الشكور، الشاكر) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- التعرف على الله -تعالى- أجل أنواع المعرفة، والتعبد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (متفق عليه) .

- ورد اسما الله سبحانه (الشكور، الشاكر) في القرآن الكريم مواضع مختلفة، من أصرحها دلالة قوله -تعالى-: ( إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ) (التغابن: 17) . وقوله -تعالى-: ( وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) (البقرة: 158) . وورد معنى شكر الله في الحديث في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ) (متفق عليه) .

- مدخل وعظي لإثارة النفوس للتعرف على هذين الاسمين الجليلين (الشكور، الشاكر): تأمَّل الآية والحديث المتقدِّمين مع قوله -تعالى-: ( مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (البقرة: 261) . (حبة تساوي سبعمائة! كيف يساوي الواحد سبعمائة، بل أضعاف؟! نعم؛ لأن المجازي هو الله الشكور).

- دلالة معنى اسم (الشكور، الشاكر) في حق الله -تعالى-: قال السعدي -رحمه الله-: "هو الذي يشكر القليل من العمل الخالص النقي النافع، ويعفو عن الكثير من الزلل ولا يضيِّع أجر من أحسن عملًا، بل يضاعفه أضعافًا مضاعفة بغير عدٍّ ولا حساب، ومن شكره أنه يجزي بالحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة" (الحق الواضح المبين) .

وقال الخطابي -رحمه الله-: "الشكور هو الذي يشكر اليسير من الطاعة فيثيب عليه الكثير من الثواب، ويعطي الجزيل من النعمة (شأن الدعاء) .

الوقفة الأولى: من صور شكره -تعالى- لعبده:

قال ابن القيم -رحمه الله-: "وأمَّا شكر الرب -تعالى- فله شأن آخر كشأن صبره، فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور، بل هو الشكور على الحقيقة، فإنه يعطي العبد ويوفِّقه لما يشكره عليه! ويشكر القليل من العمل والعطاء؛ فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة. ويشكر عبده بقوله بأن يثني عليه بين ملائكته وفي ملئه الأعلى، ويلقي له الشكر بين عباده ويشكره بفعله، فإذا ترك العبد له شيئًا أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئًا ردَّه عليه أضعافًا مضاعفة، وهو الذي وفَّقه للترك والبذل وشكره على هذا وذاك!" (عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين) .

وإليك بعض الصور:

1- لمَّا بذل الرسل -عليهم السلام- أعراضهم فيه لأعدائهم فنالوا منهم وسبوهم، شكر لهم ذلك، بأن أعاضهم من ذلك بأن صلَّى عليهم هو وملائكته، وجعل لهم أطيب الثناء في سماواته وبين خلقه؛ فأخلصهم: فتكرر: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ ) (مريم: 16) ، ثم: ( إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ) (ص: 46) .

2- ولمَّا ترك الصحابة -رضي الله عنهم- ديارهم (مكة) وخرجوا منها في مرضاته، ونصرة لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، شكر لهم ذلك، وأعاضهم عنها أن ملَّكهم الدنيا وفتحها لهم، وجعل لهم في الآخرة أحسن الجزاء: ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (التوبة: 100) .

3- ولمَّا بذل الشهداء له أرواحهم وأبدانهم حتى مزَّقها أعداؤه، شكر لهم ذلك بأن أعاضهم عنها حياة برزخية خاصة: ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (آل عمران: 169) .

وبالجملة: إذا قام العبد من عباده مقامًا يرضيه بين الناس؛ شكر ذلك له؛ ونوَّه بذكره عند ملائكته وعباده المؤمنين، كما شكر لمؤمن آل فرعون ذلك المقام، وأثنى به عليه؛ ونوَّه بذكره بين عباده؛ فقال: ( فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ) (غافر: 45) . وكذلك شكره لصاحب يس مقامه ودعوته إليه؛ فقال: ( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ . قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) (يس: 26- 27) . (وكذلك شكره لأهل مجالس الذكر، وقائم الليل، وأهل صعيد عرفة، وغيرهم وغيرهم).

ومن عجيب شكره -تعالى- لعبده:

1- أنه يشكر للعصاة إذا عملوا عملًا صالحًا، وإن لم يتوبوا من عموم معاصيهم، فقد غُفِرَ للمرأة البغي بسقيها كلبًا كان قد جهده العطش حتى أَكَلَ الثَّرَى، وغفر لآخر بِتَنْحِيَتِه غُصْنَ شَوْكٍ عن طريق المسلمين.

2- وأنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير؛ ولا يضيِّع عليه هذا القدر: فيقول -تعالى- يوم القيامة: ( انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ ) (متفق عليه) .

3- وأبلغ من ذلك: أنه يجازي عدوه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا! (بمال - بجاه - بجمال - بمتاع - ...) وربما يخفِّف به عنه يوم القيامة (فالكفار في دركات مختلفة من النار)؛ فلا يضيِّع عليه ما يعمله من الإحسان؛ وهو من أبغض خلقه إليه! كما في مجازاة أبي طالب على إحسانه للنبي -صلى الله عليه وسلم-.

الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسميه -سبحانه- (الشكور، الشاكر):

أولًا: محبته -سبحانه-:

الصفحة التالية