الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (24) اسما الله (الشكور، الشاكر) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- حيث إنه -سبحانه- قد غمر العباد بفضله وإحسانه وكرمه، وهو الذي أنعم عليهم بنعمة الإيجاد والإعداد والإمداد، ومع ذلك فحينما يعملون العمل الصالح القليل الذي هو بتوفيقه وفضله، يشكرهم عليه ويضاعف لهم الأجور ويغفر لهم الذنوب؛ ويقول لهم: ( إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ) (الإنسان: 22) .
- فسبحانه مِن إله برٍّ رحيمٍ جوادٍ كريمٍ يستحق الحب كله: (قيل لأعرابي في مرضه: إنك تموت، فقال: ثم إلى أين؟ قالوا: إلى الله. فقال: كيف تكرهون أن أقدم على ربٍّ شكور، يعطي على القليل الكثير؟!).
ثانيًا: الحياء منه -سبحانه- والسعي في مرضاته:
- إذا كان الخالق المنشئ، المنعم المتفضل، الغني عن العالمين يشكر ويجازي (الواحد عنده = عشرة، بل إلى أضعاف مضاعفة) فالواجب على العباد المخلوقين الضعفاء المغمورين بنعمه، أن يستحيوا من ذلك الكرم والمن بالاستجابة لأمره، والمسارعة في مرضاته: ( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ أَوْ تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ) (متفق عليه) .
قصة من واقع الحياة (الزوجان وبناء المسجد):
يقول أحد الدعاة إلى الله: كنت أقف أمام أحد المتاجر الكبيرة مع صاحب لي، فقال صاحبي: ألا أخبرك بقصة صاحب هذا المتجر؟ إنه كان هو وزوجته منذ سنوات يجمعان المال من راتبيهما الوظيفيين لأجل شراء بيت العمر للأسرة، وظلَّا يجمعان المال سنوات، حتى إذا قاربا النهاية المطلوبة، إذا بالزوج وقد سمع من أحد الدعاة في المسجد حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، أَوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) . فوقع الكلام منه موقعًا، وشعر بالحياء من الله، فقرَّر أن يكون المال المدخر لبيت الدنيا ثمنًا لبيت في الجنة، فرجع إلى زوجته، وأخبرها بالأمر، وأنه يستحيي من الله أن يعده ببيت في الآخرة شكرًا على عمله ولا يفعل! فإذا بالزوجة تسلك مسلكه نفسه. وتم بناء المسجد، ثم شرعا في الادخار مرة أخرى لبيت العمر، فماذا تظن أن يكون فعل (الشكور، الشاكر) -سبحانه- معهما؟ وهو الذي يقول: ( وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ) (الإنسان: 22) .
لقد يسَّر الله الشكور لهذا الرجل بابًا للتجارة، وفتح له أسباب الرزق من أوسع أبوابها! وفي سنوات قليلة صار الرجل صاحب سلسلة كبيرة من المتاجر المشهورة، وصاحب بيوت كثيرة من بيوت الدنيا! ( إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ) (الإنسان: 22) .
ثالثًا: الاتصاف بموجب هذين الاسمين الكريمين (الشكور، الشاكر)، والبعد عن ضدهما:
- لمَّا كان -سبحانه- هو الشكور على الحقيقة، كان أحب خلقه إليه مَن اتصف بصفة الشكر، كما أن أبغض خلقه إليه من عطَّلها واتصف بضدها، وهو الكفر والجحود، قال -سبحانه-: ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ) (البقرة: 152) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
- نموذج في الشكر باليسير من العمل، وفاءً وحفظًا للجميل: قال أبو حنيفة -رحمه الله-: ما صليت منذ مات شيخي حماد، إلا استغفرت له مع والدي، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علمًا أو علمته علمًا! وقال أبو يوسف -رحمه الله-: إني لأدعو لأبي حنيفة قبل أبوي! وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي وأستغفر له! وقال بعض العقلاء: تعلموا أن تنحتوا المعروف على الصخر.
خاتمة:
- كثير من الناس يعملون ويشتدون طلبًا لشكر المخلوقين الفقراء الضعفاء، فتضيع أعمالهم ويغفلون عن العمل الذي يطلب شكره من الغني الكريم (الشكور، الشاكر) الذي لا يضيِّع أجر المحسنين، قال -تعالى-: ( وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ) (المزمل: 20) .
- لا تستهن بيسير العمل عند الشكور -سبحانه- (أمثلة: إغلاق صنبور الماء المفتوح في الأماكن العامة - إنارة مدخل العمارة بمصباح صغير - إعانة ضعيف في الطريق أو المواصلات - نصيحة بعمل صالح - كلمة طيبة - إماطة أذى - ...) فهو يجازي على القليل بالكثير، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ) (متفق عليه) .
جعلنا الله وإياكم من الشاكرين.
