شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تعليق على التسريب المنسوب للشيخ الحويني

محمود أمين • حدث وتعليق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد نشر البعض عِدَّة تسجيلات للشيخ الحويني -رحمه الله- يظهر فيها مخالفته للحزب وينتقد عليه بعض الأمور، وقد فَرِح به خصوم الدعوة السلفية وحزب النور وطاروا به كل مطار.

ولنا على هذه التسريبات عِدَّة ملاحظات:

أولًا: نحب أن نذكِّر الجميع بالعلاقة التي كانت بين الشيخ الحويني -رحمه الله- وبين مشايخ الدعوة السلفية؛ إذ كانت العلاقة تقوم على التقدير والثناء المتبادل، وإن لم تتطابق المواقف الدعوية تمامًا في جميع المواقف إلَّا أنَّه في المجمل كان الدفاع عن منهج السلف ونشر السُّنَّة ومحاربة البِدَع هدفًا مشتركًا. وقد كتب الشيخ عبد المنعم الشحات مقالًا بعنوان: (الشيخ الحويني في ألمانيا.. مريض بالبدن طبيب للقلب) ، يدافع فيه عنه ضد هجوم خالد منتصر عليه، ولمَّا توفي -رحمه الله- كتب مقالًا بعنوان: (رحيل الشيخ الحويني بين حزن دعاة السُّنَّة وشماتة الطاعنين فيها) جدَّد فيه الدفاع عنه ضد كارهي السُّنَّة والعلمانيين وبعض أهل البدع الذين شمتوا في موته -رحمه الله-.

ثانيًا: الشيخ الحويني -رحمه الله- مرَّ في حياته بعدة مراحل، ففي وقت كان يرفض العمل السياسي، ثمَّ بعد الثورة أيَّد المشاركة السياسية، وظهر ذلك في موافقته على المشاركة في استفتاء 19 مارس والذي أيَّدته جميع الاتجاهات الإسلامية، بل وشارك في مؤتمرات عقدتها ونظمتها الدعوة السلفية في بعض المحافظات، وامتدح فيها ما حققه الإسلاميون في استفتاء 19 مارس من الحصول على غالبية الأصوات المؤيدة للإعلان الدستوري والذي كان غرض الإسلاميين من الموافقة عليه الحفاظ على المادة الثانية من الدستور والتي تنص على أنَّ الإسلام دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع.

ثمَّ أبدى تخوفًا من نتائج الثورة، ثمَّ أيَّد فكرة تأسيس السلفيين لحزب، ورأى أنَّ الأولى ألَّا يدخل العلماء وطلبة العلم في العمل الحزبي، ثمَّ أيَّد حازم صلاح أبو إسماعيل في انتخابات الرئاسة، ثمَّ اختلف موقفه بعد ذلك، ثمَّ اختار السكوت ولم يعلِّق على جميع الأحداث التي وقعت حتى وفاته، ويبدو أنَّه تأثَّر كثيرًا بالمجموعة التي كانت معه فترة تلقيه العلاج في الخارج إلى وفاته -رحمه الله-.

والخلاصة: أنَّ المواقف المختلفة للشيخ يظهر منها أنَّه لا يرفض العمل السياسي وإنشاء الأحزاب بإطلاق، وإنَّما باعتبار تقدير المصالح والمفاسد في كل مرحلة، وحين غلب على ظنه وجود مصلحة أيَّد المشاركة السياسية، وحين قدَّر وجود مفاسد -في رأيه- انتقد المشاركة، وهذا الموقف -اعتبار المصلحة والمفسدة في المشاركة السياسية– من حيث الأصل هو نفس موقف الدعوة السلفية، إلَّا أنَّ الاختلاف وقع بعد ذلك في التطبيق وفي تقدير اعتبار المصلحة والمفسدة، وهذا الأصل مهم الإقرار به ابتداءً قبل الانتقال إلى مناقشة التطبيق وتقدير موازنات المصالح والمفاسد في الواقع.

ثالثًا: الشيخ الحويني -رحمه الله- حتى في هذا التسريب يتكلم بلغة الناصح وليس بلغة السب والشتم، وليت المخالفين اكتفوا بتقديم النصيحة دون خوض في الأعراض واتهام للنيَّات واستعمال السباب والألفاظ القبيحة التي لا تليق بمسلم صاحب علم ودعوة بحال، وندعو الجميع إلى التزام الرفق وعرض الحجة بعلم وعدل وإنصاف.

رابعًا: ذكر الشيخ الحويني -رحمه الله- في التسريب الموجود أنَّ حزب النور تنازل عن بعض الثوابت وضرب مثالًا لذلك: قيام الحزب بتقديم العزاء في وفاة البابا شنودة الثالث، وهذا مثال في غير موضعه؛ لأنَّ مسألة تعزية الكفار فيها خلاف بين أهل العلم فليست من الثوابت، وهو نفسه أشار إلى ذكر الخلاف الذي ذكره ابن قدامة -رحمه الله- فيها. وذكر أنَّ السلفيين كانوا يختارون القول الأشد فيها (أي: بالتحريم)، وهذا التعميم لا يصح فربما كان هذا اختياره هو وليس كل المشايخ، والمسألة مبناها على النظر في الراجح من الأدلة، وليس إلى اختيار الأشد أو الأخف، والراجح من الأدلة هو جواز تعزية الكفار قياسًا على جواز عيادتهم؛ هذا مع أنَّ المسائل الاجتهادية لا يُلْزِم الدعوة السلفية ولا حزب النور آراء بعض الدعاة أو اختياراتهم، خاصة تلك التي تحتاج إلى معرفة بواقع لم يطَّلعوا عليه أو على كثير منه، ممَّا كان الصحيح فيه أنَّه يلزم من لم يطَّلع على الواقع أن يسأل من اطَّلع لا العكس، وعلى الأقل فلا يلزم المتابعة.

وهذه المسألة (تعزية الكفار) اختلف فيها العلماء إلى عدة أقوال: حيث أطلق الشافعية والحنفية القول بالجواز، وهي رواية عن الإمام أحمد -رحمه الله- كما نُقِل جوازه عن مالك -رحمه الله- إن كان للكافر جوار، ومنهم من أجاز مع الكراهة، ومنهم من أجازه للمصلحة كما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ومنهم من قال بالتحريم وهو القول المشهور في المذهب عند الحنابلة؛ ولهذا فإنَّ قول الأكثر على جواز تعزية الكافر بالكافر، وبعضهم يقيد إن كان له جوار، وبعضهم يقيد بالمصلحة الراجحة كشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما سبق، وذلك قياسًا على جواز عيادة الكافر للمصلحة الراجحة. (وسأذكر نصوص أقوال المذاهب الأربعة ومصادرها في هذه المسألة في آخر المقال لمن أراد الاطلاع بالتفصيل على أقوالهم).

خامسًا: من خلال النظر في أقوال أهل العلم في المسألة (وهو موجود بالتفصيل في آخر المقال لمن أراد) يظهر أنَّ حزب النور لم يتنازل عن الثوابت؛ لأنَّ مسألة تقديم العزاء للكافر ليست من مسائل الموالاة، بل هي مسألة خلافية والراجح جوازها وأنَّها لا تدخل في الموالاة وهو قول أكثر أهل العلم، وأمَّا تقييد الجواز بأن يكون له جوار كما ذكر الشيخ الحويني -رحمه الله- في التسريب المنسوب إليه فهذا في قول المالكية، أمَّا قول الشافعية والحنفية ورواية عن أحمد -رحمه الله- فهو بالإطلاق من غير ذكر لهذا القيد، ثمَّ لا دليل على هذا القيد، ولا فرق من جهة المعنى على الصحيح. وأمَّا تعليل عدم الجواز بأنَّه هذا رأس الكنيسة فلا يختلف من جهة الدليل، إذ المصلحة موجودة هنا أيضًا.

الصفحة التالية