الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (25) اسما الله (الأول، الآخر) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) ، وقال: ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) (الإسراء: 110) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (متفق عليه) .
- لم يرد ذكر هذين الاسمين الكريمين (الأول، والآخر) إلا مرة واحدة في القرآن والسنة: قال -تعالى-: ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (الحديد: 3) . وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرنا إذا أخذنا مضجعنا أن نقول: ( اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ ) (رواه مسلم) .
- معنى هذين الاسمين الكريمين (الأول والآخر) في حق الله -تعالى-: قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ ) (رواه مسلم) ؛ ولذلك قال ابن جرير -رحمه الله-: الأول: قبل كل شيء بغير حد. وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ( وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ ) (رواه مسلم) ؛ ولذلك قال ابن جرير -رحمه الله-: الآخر: بعد كل شيء بغير نهاية (تفسير الطبري) .
وقال الخطابي -رحمه الله-: "(الآخر) هو الباقي بعد فناء الخلق. وليس معنى (الآخر) ما له انتهاء، كما ليس معنى (الأول) ما له ابتداء" (شأن الدعاء) .
وقال ابن القيم -رحمه الله-: "سبق كل شيء بأوليَّته، وبقي بعد كل شيء بآخريَّته".
وقال -رحمه الله-: "فإحاطة أوليَّته وآخريَّته بالقَبْل والبَعْد، فكل سابق انتهى إلى أوليَّته، وكل آخر انتهى إلى آخريَّته، فأحاطت أوليَّته وآخريَّته بالأوائل والأواخر" (مدارج السالكين) (1) .
الوقفة الأولى: حول معنى الأولية في حقِّ الله -تعالى-:
- فأولية الله -تعالى- تقدمه على كل مَن سواه في الزمان: عن عمران بن حصين -رضي الله عنه- قال: إني عند النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ جاءه قوم من بني تميم فقال: ( اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ ). قالوا: بشرتنا فأعطنا. فدخل ناس من أهل اليمن فقال: ( اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ ). قالوا: قبلنا. جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر ما كان؟ قال: ( كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ ) (رواه البخاري) .
- وأولية الله تقدمه على كل من سواه في القدر والصفات: قال -تعالى-: ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (الزمر: 67) .
- على هامش معنى الأولية: (كان فرعون الغبي يخدع الأتباع الأغبياء ويقول: ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ) (النازعات: 24) من خلال توهمه أوليَّته في الزمان عليهم، حيث قيل: إنه كان طويل العمر، فكان ينظر إلى من حوله فيجدهم يولدون بعده، ويموتون قبله، فلهذا توهم الربوبية!).
الوقفة الثانية: حول معنى الآخرية في حق الله تعالى:
- وآخرية الله -تعالى- بقاؤه على كل من سواه في الزمان، بل الزمان له مخلوق: قال -تعالى-: ( وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ) (الحجر: 23) . قال أبو السعود -رحمه الله- في تفسيره: "أي: نحن الباقون بعد فناء الخلق قاطبة، المالكون للملك عند انقضاء زمان الملك. وقال -تعالى-: ( إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ) (مريم: 40) ".
قال ابن جرير -رحمه الله-: "بأن نميت جميعهم فلا يبقى حي سوانا إذا جاء ذلك الأجل". وقال الزجاجي -رحمه الله-: "الله -عز وجل- وارث الخلق أجمعين؛ لأنه الباقي بعدهم وهم الفانون".
- فالعبد فانٍ هالك مهما جمع من جاه الدنيا، وجنى من سلطانها، وتربَّع على كنوزها، وعلا في مراتبها؛ فقد خلقه الله من تراب، ثم هو صائر لا محالة إلى التراب؛ قال -تعالى-: ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) (الرحمن: 26- 27) ، وقال -تعالى-: ( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (القصص: 88) .
وقال الشاعر:
لِدُوْا للموت وابنوا للـخــراب فـكـلـكـم يــصــير إلى ذهــاب
لمن نـبـني ونحن إلى تــراب نـصـيـر كما خلقنا مـن تـراب
ألا يـا مـوت لم أرَ مـنـك بـدًّا أبـيـتَ فلا تَـحـيـفُ ولا تحابي
كأنك قد هـجـمت على مشيبي كما هجم المشيب على شبابي
ويـا دنـيـاي مـا لـي لا أرانــي أســومُـك مــنــزلًا إلا نـبـا بـي
ألا وأراك تــبــذل يـا زمـــانـي لي الدنيا وتـســرع باستـلابي
وإنـك يا زمـان لـذو صــروف وإنـك يا زمـان لـذو انــقـلاب
الوقفة الثالثة: من آثار التعبد لله باسميه (الأول والآخر):
