الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (26) اسم الله (الجَمِيل) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) ، وقال: ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) (الإسراء: 110) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (متفق عليه) .
- لم يرد هذا الاسم الكريم (الجَمِيل) في القرآن، وإنما ورد في الحديث النبوي: وذلك فيما رواه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ )، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ) (رواه مسلم) .
الوقفة الأولى: معنى اسمه -تعالى- (الجَمِيل) ودلالاته:
جماله -سبحانه- من أربع مراتب (جمال الذات، وجمال الصفات، وجمال الأفعال، وجمال الأسماء): قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "حُجبت الذات بالصفات، وحُجبت الصفات بالأفعال، فما ظنك بجمال حُجب بأوصاف الكمال، وسُتر بنعوت العظمة والجلال".
فأمَّا (جمال الذات): فليس عند المخلوقين منه إلا تعريفات تعرَّف بها إلى من أكرمه من عباده، وتمام إدراك جماله -تعالى- لا يكون إلا لأهل الجنة يوم القيامة؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتعالى-: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ )، وزاد في رواية: ثم تلا هذه الآية: ( لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ) (يونس: 26) (رواه مسلم) .
قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "(الجَمِيل) من له نعوت الحسن والإحسان، فإنه جميل في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فلا يمكن لمخلوق أن يعبر عن بعض جمال ذاته، حتى إنَّ أهل الجنة مع ما هم فيه من النعيم المقيم واللذات والسرور والأفراح التي لا يُقدر قدرها إذا رأوا ربهم وتمتعوا بجماله نسوا ما هم فيه من النعيم، وتلاشى ما هم فيه من الأفراح، وودوا أن لو تدوم هذه الحال ليكتسبوا من جماله ونوره جمالاً إلى جمالهم، وكانت قلوبهم في شوق دائم ونزوع إلى رؤية ربهم، ويفرحون بيوم المزيد فرحًا تكاد تطير له القلوب" (الحق الواضح المبين) .
الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسمه -سبحانه- (الجميل):
أولاً: زيادة محبته -سبحانه وتعالى-؛ لما له من كمال الجمال في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فالنفوس مفطورة على حب الجمال وحب من يتصف به، فكيف يكون حبها لمن خلق كل جمال في الكون؟ قال -تعالى-: ( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (الأنعام: 101) ، وقال -تعالى-: ( أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ . وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ . تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ . وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ . وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ ) (ق: 6- 10) ، وقال -تعالى-: ( أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ . أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) (النمل: 60- 61) .
قال ابن القيم -رحمه الله-: "الله -سبحانه- تعرف إلى عباده من أسمائه وصفاته وأفعاله بما يوجب محبتهم له، فإنَّ القلوب مفطورة على محبة الكمال ومن قام به، والله -سبحانه وتعالى- له الكمال المطلق من كل وجه".
ثانيًا: الشوق إلى رؤية الله -عز وجل- الذي له الجمال كله، والاستعداد بالعمل الصالح المقرب إلى جنته، والتنعم بأعظم نعيم في الجنة ألا وهو رؤية الله -تعالى-، وقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول في دعائه: ( وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) .
ثالثًا: الرضا بما يقدر الله -عز وجل- ويقضيه من المصائب والمكدرات؛ لأنه -سبحانه- لا يفعل إلا ما فيه الحكمة والخير لعبده المؤمن؛ لأنَّ كل أفعاله جميلة وما ينشأ من الفعل الجميل إلا جميل: ففي الحديث القدسي: ( وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ) (رواه البخاري) .
قال القاري -رحمه الله-: "(وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)، قال ابن الملك: أي: إيذاءَه بما يلحقه من صعوبة الموت وكربه. وقال ابن حجر -رحمه الله-: أي: أكره ما يسوءه؛ لأني أرحم به من والديه، لكن لا بد له منه لينتقل من دار الهموم والكدورات إلى دار النعيم والمسرات" (مرقاة المفاتيح) .
