شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الحقوق الزوجية المتبادلة

عصام حسنين • المرأة والأسرة

الطريق إلى الولد الصالح

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد ؛

فإن المؤمن يحب الحق والعدل، ويقوم بهما؛ لأن الله -تعالى- هو الحق، ويحب الحق، وأمر به، ولأن المكان الذي يقوم عليهما ؛ يستقيم أمره وتــُشيد أركانه.

والحق في اللغة هو: النصيب الواجب للفرد والجماعة، والحقوق بين الزوجين هو النصيب الواجب لكل زوج على الآخر ، وقد أمر الله به فقال: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (البقرة:228) .

قال ابن جرير -رحمه الله-: "قال بعضهم تأويله: ولهن من حـُسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه الله -تعالى ذكره- له عليها. وروى بسنده عن ابن زيد -رحمه الله- قال: يتقون الله كما عليهن أن يتقين الله فيهم".

وقال بعضهم: معنى ذلك: ولهن مثل الذي على أزواجهن من التصنع والمواتاة مثل الذي عليهن لهم في ذلك. وروى بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي؛ لأن الله -تعالى- يقول: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ). " تفسير الطبري 2/1270 " .

قال القرطبي -رحمه الله-: "الآية تعم جميع ذلك من الحقوق الزوجية". " التفسير 3/88 " .

وبيَّن الله -تعالى- أن الحادي الذي يسوق إلى أداء هذه الحقوق هو: المودة والرحمة ، فقال -تعالى-: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاج ً ا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (الروم:21) ، فالمودة تدل على القرب والملاطفة ، والرحمة تـُشعر بحرص كل ٍ من الزوجين على مصلحة صاحبه، والرفق به والإشفاق عليه من كل مكروه؛ فهما -بحق- دستور المعاشرة بالمعروف ، فعليهما أن يأخذا بأسباب تعميقها من خلال تطبيق هذه الحقوق والواجبات المشتركة بينهما.

أولا ً : أن يغض كلٌ منهما الطرف عن الهفوات والزلات لا سيما غير المقصودة:

فكل منا ذو خطأ، والغفلة والسهو والنسيان والخطأ من صفاتنا الجبلية ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ ) ( رواه الترمذي، وحسنه الألباني ) .

وقال الشاعر الباهر:

واعلم بأنك إن طلبــــــــــــــــــــ ت مهذ َّ ب ً ا رُمت الشطط

من ذا الذي ما ســــاء قــــــــــط ومن له الحـسنى فـقط

فينبغي التماس المعاذير، وتقديم حسن الظن، والتعامي عن الهفوات، والمسارعة إلى الاعتذار إن تبين الخطأ.

وينبغي النظر إلى المحاسن وتعظيمها؛ قال الله -تعالى-: ( فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَ يْ ئ ً ا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْر ً ا كَثِير ً ا ) (النساء:19) ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً ، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا ؛ رَضِيَ مِنْهَا آخَر ) ( رواه مسلم ) ، وقال أبو الدرداء -رض ي الله عنه- لامرأته: "إذا رأيتني غضبت فرضني ، وإذا رأيتك غضبى رضيتك ، وإلا لم نصطحب".

وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: "أقامت أم صالح معي عشرين سنة ، فما اختلفت أنا وهى في كلمة"، فالله المستعان.

ثانيا: النصيحة والتعاون على البر والتقوى:

قال -تعالى-: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثم وَالْعُدْوَانِ ) (المائدة:2) ، وقال رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( تَبًّا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَوْلُكَ تَبًّا لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مَاذَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( لِسَانًا ذَاكِرًا، وَقَلْبًا شَاكِرًا، وَزَوْجَةً تُعِينُ عَلَى الآخِرَةِ ) ( رواه أحمد والبيهقي، وصححه الألباني ) .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( رَحِمَ اللهُ رَجُلا ً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ ؛ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، وَرَحِمَ اللهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى ؛ نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ ) ( رواه أبو داود، وقال الألباني : حسن صحيح ) .

وعن أبي سعيد وأبي هريرة -رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا ؛ كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

أيها الزوجان الكريمان، تـُبين لنا هذه النصوص الشريفة تعاون الزوجين على طاعة الله ومرضاته، وأنها سبب الفلاح في الدنيا والآخرة، كما أنها سبب السعادة في الدنيا، قال الله -تعالى-: ( مَنْ عَمِلَ صَالِح ً ا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) (النحل:97) .

والحياة الطَيِّبَة هي حياة السعادة بجميع معانيها، فها هي رحمة الله تتنزل في بيتكما، والسكينة -الطمأنينة- تغشاكما، وملائكة الرحمة تحط رحالها بينكما.

وها هو الشيطان -لعنه الله- يفر هاربًا خاسئًا، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ( لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنْ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ) (رواه مسلم) .

وهذا التعاون الجليل خطوة عظيمة على الطريق للولد الصالح؛ فصلاح الآباء ينفع الأبناء، قال -تعالى- في قصة صاحب الغلامين عن الخضر -عليه السلام-: ( وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِح ً ا ) (الكهف:82) .

الصفحة التالية