من نعيم النساء في الجنة (2)
الشيخ علاء بكر • المرأة والأسرة
قال -تعالى-: ( إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ . هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ . لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ . سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ) (يس: 55- 58) . قال ابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهم- وغير واحد من المفسرين في قوله -تعالى-: ( فِي شُغُلٍ ): "أي: افتضاض الأبكار".
وروى أبو داود الطيالسي -رحمه الله- عن أنس -رضي الله عنه- مرفوعًا: ( يُعْطَى الرَّجُلُ فِي الْجَنَّةِ مِقْدَارَ كَذَا وَكَذَا مِنَ النِّسَاءِ )، قلت: "يا رسول الله ويطيق ذلك؟" قال: ( يُعْطَى قُوَّةَ مِئَةٍ ). ورواه الترمذي من حديث أبي داود وقال: "حسن صحيح" (الفتن والملاحم) .
- وروى أحمد -رحمه الله- عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- مرفوعًا: ( إِذَا اشْتَهَى الْمُؤْمِنُ الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يَشْتَهِي ). وكذا رواه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: "حسن غريب". وقال الحافظ الضياء المقدسي -رحمه الله-: "وهذا عندي على شرط مسلم، والله أعلم" (الفتن والملاحم) .
- وروى الحاكم -رحمه الله- عن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: قيل: "يا رسول الله أيولد لأهل الجنة؟ فإنَّ الولد من تمام السرور"، فقال: ( نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا هُوَ إِلَّا كَقَدْرِ مَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمْ فَيَكُونُ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَشَبَابُهُ ).
قال ابن كثير -رحمه الله- في الفتن والملاحم: "وهذا السياق يدل على أنَّ هذا أمر يقع، خلافًا لما حكاه البخاري والترمذي عن إسحاق بن راهويه -رحمه الله- أنَّ ذلك محمول على أنه لو أراد ذلك ولكن لا يريده. ونقل عن جماعة من التابعين كطاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي -رحمهم الله- وغيرهم أنَّ الجنة لا يولد فيها، وهذا صحيح، وذلك أنَّ جماعهم لا يقتضي ولدًا كما هو الواقع في الدنيا؛ فإنَّ الدنيا دار يراد منها بقاء النسل لتعمر، وأمَّا الجنة فالمراد منها بقاء اللذة، ولهذا لا يكون في جماعهم مَنِي يقطع لذة الجماع، ولكن إذا أحب أحدهم الولد وقع ذلك كما يريد". قال الله -تعالى-: ( لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ) (النحل: 31) .
أهل الجنة لا يموتون ولا ينامون ولا يتعبون ولا يسأمون:
قال -تعالى-: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ . جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ . وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ . الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ) (فاطر: 32- 35) . وقال -تعالى- في أهل الجنة: ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ . فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ . كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ . يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ . لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ . فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (الدخان: 51- 57) .
وقال -تعالى- فيهم: ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ . وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ . لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ) (الحجر: 45- 48) . وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا . خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا ) (الكهف: 107- 108) .
قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: لا يختارون غيرها، بل هم أرغب شيء فيها. وليس يعتريهم فيها منها ملل ولا ضجر كما قد يسأم أهل الدنيا بعض أحوالهم وإن كانت لذيذة".
وقد ثبت في الحديث أنَّ الموت يذبح بين الجنة والنار، وأنه ينادي منادٍ: "يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت"، أي: أنَّ كلاً خالد فيما هو فيه.
- وروى أحمد -رحمه الله- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: ( يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا )، فذلك قول الله -تعالى-: ( وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (الأعراف: 43) . وروى ابن مردويه -رحمه الله- عن جابر -رضي الله عنه- مرفوعًا: ( النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ لَا يَنَامُونَ ) (رواه الطبراني والبيهقي) (المصدر السابق) .
نعيم أهل الجنة الأكبر: نوال رضا الله -تعالى- فلا يسخط عليهم أبدًا:
