من نعيم النساء في الجنة (2)
الشيخ علاء بكر • المرأة والأسرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المرأة في ذاتها زينة، وهي أيضًا تحب التجمل والتزين؛ لذا فهي فتنة للرجال، خاصةً إذا كانت شديدة الجمال أو متزينة بالذهب والجواهر أو مرتدية للثياب الزاهية المزركشة؛ لذا كان من الأفضل للمرأة في الدنيا حال مخالطة الرجال من غير محارمها ترك التبرج وإبداء الزينة ما استطاعت بالستر والتغطية؛ قال الله -تعالى- لأمهات المؤمنين -رضي الله عنهن- وهن القدوة والأسوة: ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (الأحزاب: 33) ، وقال -تعالى-: ( وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ) (الأحزاب: 53) .
فخروج المرأة من بيتها وخطابها لغير محارمها لا يكونان إلا لضرورة أو حاجة معتبرة شرعًا، مع التخلق بآداب وأخلاق الإسلام؛ قال -تعالى- لأمهات المؤمنين -رضي الله عنهن- وهن القدوة والأسوة اللاتي قال -تعالى- في حقهن: ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا . وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ) (الأحزاب: 30- 31) ، فقال لهن: ( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ) فلا يليق بهن أن يقع منهن من الذنوب ما يقع من غيرهن من النساء: ( إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ) (الأحزاب: 32) .
وقد طُبع الأسوياء من الرجال على الغيرة على زوجاتهم وبناتهم وأمهاتهم وأخواتهم وعلى النساء من صلة أرحامهم.
ومعنى غار الرجل على امرأته: أي ثارت نفسه لإبدائها زينتها ومحاسنها لغيره، أو لانصرافها عنه إلى آخر، فهو غيران وغيور. والغيرة محمودة طالما كانت في محلها.
فهذا في نساء الدنيا، فما بالكم بالحور العين في الجنة؛ لذا جاء في القرآن الكريم أنَّ من صفات النساء في الجنة أنهن بين حور ( قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ) وبين حور ( مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ).
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره لسورة الرحمن: "( فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ) أي: غضيضات عن غير أزواجهن فلا يرين شيئًا من الجنة أحسن من أزواجهن، قاله ابن عباس -رضي الله عنهما-، وقتادة -رحمه الله-، وعطاء الخراساني -رحمه الله-، وابن زيد -رحمه الله".
وقال أيضًا -رحمه الله-: "( حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ): وهناك قال: ( فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ )، ولا شك أنَّ التي قد قصرت طرفها بنفسها أفضل ممن قُصِرت، وإن كن جميعًا مخدَّرات -أي: من ذوات الخدور-". وقصرت الشيء أقصره قصورًا: عجزت عنه ولم أبلغه. وقصرت الشيء على كذا: إذا لم تجاوز به إلى غيره. وامرأة قاصر الطرف: لا تمده إلى غير بعلها. ويقال أيضًا: قصرته: جعلته في قصر.
وأخرج البخاري مرفوعًا: ( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُونَ ). وأخرجه مسلم ولفظه: ( إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُهَا سِتُّونَ مِيلًا، لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلٌ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُ فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا ).
أمَّا تربة الجنة ففي الصحيحين مرفوعًا: ( أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ ). وعند مسلم أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل عن تربة الجنة فقال: ( دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ خَالِصٌ ).
ومع اتساع الجنة وعظمتها فقد جاء في وصف ترابها عند البخاري مرفوعًا: ( وَلقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ -أَوْ مَوْضِعُ قَدَمِهِ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ). وعند أحمد -رحمه الله- مرفوعًا: ( لَقَيْدُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ).
وكما أنَّ من الحور قاصرات طرف أعلى قدرًا من الحور المقصورات في الخيام، فهناك النساء المؤمنات من بنات آدم في الجنة أفضل من الحور العين، ففي الحديث: أنَّ فضل نساء الدنيا على الحور العين كفضل الظهارة على البطانة، نلن ذلك بصلاتهن وصيامهن وعبادتهن، يلبس الله -تعالى- وجوههن النور وأجسادهن الحرير، بيض الألوان، خضر الثياب، صفر الحلي، مجامرهن الدر، وأمشاطهن الذهب. ومن تزوجت منهن في الدنيا أكثر من زوج ثم ماتت فتدخل الجنة ويدخلون هم كذلك الجنة فإنها تخيَّر، فتختار أحسنهم خلقًا، تقول: " أي رَبِّ، إِنَّ هذَا كَانَ أَحْسَنَهُمْ مَعِيَ خُلُقاً في دَارِ الدُّنْيَا فَزَوَّجْنِيهِ" (رواه الطبراني في المعجم الكبير والأوسط، وضعفه الألباني) .
ثياب أهل الجنة:
- روى ابن أبي الدنيا -رحمه الله- مرفوعًا: ( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا انْطُلِقَ بِهِ إِلَى طُوبَى فَتُفْتَحُ لَهُ أَكْمَامُهَا، يَأْخُذُ مِنْ أَيِّ ذَلِكَ شَاءَ، إِنْ شَاءَ أَبْيَضَ، وَإِنْ شَاءَ أَحْمَرَ، وَإِنْ شَاءَ أَخْضَرَ، وَإِنْ شَاءَ أَصْفَرَ، وَإِنْ شَاءَ أَسْوَدَ، مِثْلَ شَقَائِقِ النُّعْمَانِ وَأَرَقَّ وَأَحْسَنَ ). قال ابن كثير -رحمه الله-: "غريب حسن" (الفتن والملاحم) .
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "نخل الجنة جذوعها من زمرد أخضر، وكربها -الأصل العريض للسعف- من ذهب أحمر، وسعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطعاتهم وحللهم".
