شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (27) اسم الله (البَصِير) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) ، وقال: ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) (الإسراء: 110) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (متفق عليه) .

- ورد اسم الله (البَصِير) في القرآن اثنتين وأربعين مرة، منها قوله -عز وجل-: ( وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (البقرة: 233) ، وقوله -تعالى-: ( وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) (آل عمران: 15، 20) ، وقوله -تعالى-: ( وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (الحديد: 4) . وقوله -تعالى-: ( مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ) (الملك: 19) .

معنى الاسم في حق الله -تعالى-: قال السعدي -رحمه الله-: "(البصير): الذي يبصر كل شيء وإن رق وصغر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصمَّاء، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السماوات السبع. وأيضًا: (سميع بصير) بمن يستحق الجزاء بحسب حكمته، والمعنى الأخير يرجع إلى الحكمة" (تيسير الكريم) .

الوقفة الأولى: تأملات حول تعريف اسمه (البَصِير):

على ما تقدم في التعريف يكون لـ(البصير) معنيان:

المعنى الأول: أنَّ له بصرًا يرى به -سبحانه-، وبصره -تعالى- يدرك جميع المُبصَرات في جميع النواحي والجهات مهما دقت وخفيت في الظلمات؛ قال -تعالى-: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ) (سبأ: 3) ، وقال -تعالى-: ( يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ) (لقمان: 16) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ) (آل عمران: 5) .

وبصره -تعالى- يرى طاعة الطائعين ومعصية العاصين: قال -تعالى-: ( أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى . أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ) (العلق: 13- 14) ، وقال -تعالى-: ( وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ) (الإسراء: 17) ، وقال -تعالى-: ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ . الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ . وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) (الشعراء: 217- 219) .

المعنى الثاني: أنه ذو البصيرة بالأشياء الخبير بها، فالله -تبارك وتعالى- بصير بأحوال عباده، خبير بها، بصير بمن يستحق الهداية منهم ممن لا يستحقها، بصير بمن يصلح حاله بالغنى أو الفقر أو بالصحة أو المرض، وبمن يفسد حاله بذلك، قال -تعالى-: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (التغابن: 2) ، وقال -تعالى-: ( وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ) (الشورى: 27) .

والبصير على هذا المعنى يرزق البصيرة من شاء من عباده على ما يناسبه، قال -تعالى-: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (يوسف: 108) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) (الحجر: 75) . قال مجاهد -رحمه الله-: "للمتفرسين" (1) .

الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسمه (البَصِير):

أولًا: مَن علم أنَّ ربه (البصير) مطلع عليه استحيا أن يراه على معصية أو فيما لا يحب، قال -تعالى- عن سيد من سادات مراقبة الله في كل أحواله: ( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) (يوسف: 23) . وذكر ابن الجوزي عن الأصمعي: "قال أعرابي: خرجت في ليلة ظلماء، فإذا أنا بجارية كأنها عَلَم، فأردتها، فقالت: ويلك! أما لك زاجر من عقل إذ لم يكن لك ناهٍ من دين؟ ألا تستحي ممن يراك؟ فقلت: إيه والله ما يرانا إلا الكواكب، فقالت: وأين مُكوكبها!" (صفة الصفوة) . وقال حاتم الأصم: "تعهد نفسك في ثلاثة مواضع: إذا عملت فاذكر نظر الله إليك، وإذا تكلمت فاذكر سمع الله إليك، وإذا سكت فاذكر علم الله فيك" (حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني) .

ثانيًا: من علم أنَّ ربه (البصير) يراه أحسن عمله وعبادته، وأخلص فيها لربه وخشع، ففي حديث جبريل -عليه السلام- عندما سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإحسان فقال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ) (رواه البخاري) .

قال النووي -رحمه الله-: "هذا من جوامع الكلم التي أوتيها -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنا لو قدرنا أنَّ أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه -سبحانه وتعالى- لم يترك شيئًا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت، واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به" (شرح مسلم) .

الصفحة التالية