اتبعوا ولا تبتدعوا (خير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-)
ياسر عبد رب الرسول • المنهج السلفي
القرآن هو الذي يصحح العقيدة، وليست الفلسفة ولا علم الكلام. قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والأسواق، ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسُّنَّة واشتغل بعلم الكلام" يعني اشتغل به في تقرير عقائد الدين، فهذه بدعة ضلالة.
فلو أنَّ رجلًا تعبد لله بشيء وأنكرت عليه، فقال: ما الدليل على أنَّه حرام؟ فالجواب: الدليل: هو أنَّ الأصل في العبادات المنع والحظر، حتى يقوم دليل على أنَّها مشروعة، أمَّا المعاملات فالأصل فيها الحِلِّ، إلَّا ما منعه الشرع.
وقد دخل الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- على جماعة في المسجد، متحلقين وعلى رأسهم رجل، فيقول لهم الرجل: سبحوا مائة فيسبحون، احمدوا مائة فيحمدون، كبروا مائة فيكبرون. فقال لهم ابن مسعود -رضي الله عنه-: لأنتم على ملة هي أهدى من ملة رسول الله، أو أنَّكم مفتتحو باب ضلالة.. قالوا: والله ما أردنا إلَّا الخير؟ قال: وكم من مريد للخير لا يبلغه؟
فلا تكفي النية حتى يكون العمل صالحًا، بل لا بد من اتباع السُّنَّة، لا بد أن يكون العمل على سُنَّة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وقال لهم: عليكم بأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
لذلك فَهْم الكتاب والسُّنَّة لا بد أن يكون بفهم سلف الأمة، أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذين فهموا الدِّين من النبي -صلى الله عليه وسلم- مباشرة والتابعين وتابعيهم، وهم القرون الثلاثة الذين قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيهم: ( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) (رواه البخاري ومسلم) ، فهذا الذي بيَّنه عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، أنَّ الصحابة لم يفهموا الدين بهذه الطريقة في ذكر الله كما فعل أولئك الذين أنكر عليهم، من أن نخترع من عند أنفسنا طريقة معينة للأذكار نجتمع عليها، أو نُرَتِّب لها أعدادًا معينة، فلمَّا فعلوا ذلك وجعلوا لهم شيخًا لطريقتهم يأمرهم بهذه الأوامر، جعلهم مُفْتَتِحِي باب ضلالة.
وصدق ابن مسعود -رضي الله عنه-، فقد ذكر راوي الحديث عنه، أنَّه رأى عامة أولئك الذين أنكر عليهم بعدها صاروا يقاتلون الصحابة مع الخوارج، تدرجت بهم البدعة الصغيرة في العبادة، إلى البدعة الغليظة في الاعتقاد، حتى التحقوا بالخوارج وكفَّروا المسلمين وقاتلهم علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وانتصر عليهم يوم النهروان.
التروك النبوية:
ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل أشياء، فكان الصحابة يتركون ما ترك؛ لأنَّ فعله -صلى الله عليه وسلم- سُنَّة تُتَّبَع، وكذلك تركه -صلى الله عليه وسلم- لشيء من الدين سُنَّة تُتَّبَع في الترك. وكانوا ينهون من خالف ذلك كما فعل ابن مسعود، وابن عمر -رضي الله عنهم- مع الرجل الذي يصلي على النبي عند العطس.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يتنفَّل قبل الصبح إلَّا بركعتين خفيفتين، فرأى سعيد بن المسيب -رحمه الله- رجلًا يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، فنهاه، فقال له: أيعذبني الله على الصلاة؟ قال: "لا، ولكن يعذبك على خلاف السُّنَّة".
فمَن شرَّع للناس في الدين شرعًا جديدًا، أو قال لهم: لن تصلوا إلى الخير إلَّا من خلال هذه الأذكار التي اخترعها لكم، رددوها ثلاثمائة وثلاثًا وثلاثين مرة! فهذا قد أحدث في الدين ما ليس منه، وخالف سبيل المؤمنين، وضلَّ عن إجماع الصحابة والتابعين؛ قال -تعالى-: ( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) (النساء: 115) .
ومن ظنَّ أنَّه يزيد في التقرب إلى الله بأن يحرم على نفسه أشياء يشق بها على نفسه، كما قال -تعالى-: ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) (الحديد: 27) ، فهذه الرهبانية ابتدعوها، لم يشرعها لهم، ما كتبناها عليهم، ولم يكتب عليهم إلَّا ابتغاء رضوان الله، فهذا استثناء منقطع، معناه: لم نكتب عليهم الرهبانية، لم نكتب عليهم إلَّا ابتغاء رضوان الله.
وقد ذهب ثلاثة نفر على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسألوا عن عبادته، فكأنَّهم تقالوها، فقال بعضهم لبعض: وأين نحن من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أمَّا أنا فأصوم ولا أفطر، وقال الثاني: وأمَّا أنا فأقوم ولا أنام الليل أبدًا، وقال الثالث: وأمَّا أنا فلا أتزوج النساء، وفي رواية أنَّ أحدهم قال: ولا آكل اللحم، فبلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- مقالتهم، فقال: ( أَمَّا إِنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَشَدُّكُمْ لَهُ خَشْيَةً، وَلَكِنِّي أَنَا أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَآكُلُ اللَّحْمَ. فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) (رواه البخاري ومسلم) . فالسُّنَّة تُتَّبَع في الفعل وفي الترك.
كيف تعرف البدعة؟
البدعة هي: طريقة في الدِّين مخترعة، يُقْصَد بها التعبد لله -سبحانه-، تضاهي الطريقة الشرعية. وهي كل عمل تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- مع وجود المقتضي له، وعدم المانع له، ففعله بعد ذلك بدعة.
وبذلك فإنَّ صلاة التراويح ليست بدعة، فإنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يستمر على فعلها (جماعة) لوجود المانع، وهو الخوف من أن تُفْرَض، فلمَّا زال المانع بانقطاع الوحي، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- قد صلاها جماعة ثلاث مرات، كان فعلها بعد ذلك إحياءً للسُّنَّة، وليست بدعة، فلا يمكن أن تكون التراويح حجة لفتح الباب للبدع، فإنَّ هناك فارقًا.
وكذلك جمع القرآن في كتاب واحد لم يكن بدعة، فإنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يفعله، لعدم وجود المقتضي فإنَّ الله تكفل له بحفظه في صدره، ولوجود مانع فإنَّ القرآن لا يزال ينزل وتوضع الآية في السورة وتنسخ بعض الآيات. فلمَّا اكتمل نزوله زال المانع، ثمَّ لمَّا كثر الناس وقل عدد الحفاظ منهم، وُجِد المقتضي، فجمعوا القرآن.
