اتبعوا ولا تبتدعوا (خير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-)
ياسر عبد رب الرسول • المنهج السلفي
أمَّا خلاف ذلك ممَّا تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- مع وجود المقتضي وانتفاء المانع فإنَّ فعله بعد ذلك بدعة، كالتزام عبادات أو أذكار معينة في أوقات معينة، على سبيل الاستحسان العام للناس، كاستحسان صيام يوم 27 من رجب وقيام ليلته، وكالذكر الجماعي بصوت واحد، واتخاذ يوم غير الفطر والأضحى عيدًا سنويًّا -كالموالد، وغيرها-.
ما أتى مقيدًا في الشرع لا يجوز إطلاقه وما أتى مطلقًا لا يجوز تقييده:
مثلًا:
- الذكر المطلق، طاقة إنسان معين قد تتوقف عند 400 مرة استغفار، فإذا حَضَّ جميع الناس على ذلك، تحول فعله إلى بدعة.
- كذلك صيام يوم معين تهيأ للإنسان صيامه كالثلاثاء، فإذا حض جميع الناس على ذلك اليوم بعينه صار بدعة.
- وكذلك التزام ثلاثة أيام للخروج للتبليغ والدعوة على سبيل التعبد.
- وكذلك قراءة أذكار معينة أو آيات معينة أو دعاء معين في وقت مخصوص على سبيل إظهاره للناس كأنَّه سُنَّة عامة تُفْعَل في ذلك الموطن خصيصًا فهذه بدعة.
والبدعة خطرها عظيم على صاحبها، وعلى الناس، وعلى الدين؛ قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ ) (رواه النسائي، وصححه الألباني) ، جملة موجبة كلية تشمل جميع البدع.
فأي عبادة قبل أن تفعلها ابحث عن الدليل، هل وردت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أم لا؟
قال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) (رواه البخاري ومسلم) .
من محبته -صلى الله عليه وسلم- اتباعه في جميع أمره وطاعته -صلى الله عليه وسلم- ( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) (آل عمران: 31) فكل متبع محب، وغير المتبع ليس بمحب ولو أقسم بالأيمان الغلاظ أنَّه محب.
لو كان حبك صادقًا لأطعـتـه إنَّ المـحـب لمن يحب مطيع
ومن محبته -صلى الله عليه وسلم- تقديم قوله على قول أي أحد غيره ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) (الحجرات: 1) . يوم القيامة لن تُسْأَل لماذا لم تسمع كلام الشيخ أو العالم الفلاني، إنَّما سيُسْأَل الناس كلهم: ( مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ) (القصص: 65) ؟
وكل الأئمة الأربعة قال: "إذا صح الحديث فهو مذهبي".
قال الإمام أبو حنيفة -رحمه الله-: "حرام على من لم يعرف دليلنا أن يتبع مذهبنا".
وقال الإمام مالك -رحمه الله-: "كل يؤخذ منه ويُرَد عليه إلَّا صاحب هذه الحجرة"، وأشار إلى قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وقال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "إذا رأيتم قولي يخالف قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاضربوا بقولي عرض الحائط". وسأل رجل الشافعي -رحمه الله- عن حديث، فقال له صحيح، فقال: أتستدل به؟ فأنكر عليه قائلًا: أتراني مشركًا؟ أتراني خارجًا من كنيسة؟ أقول قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا أعمل به؟ بل نعم على العين والرأس.
وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: "لا تكتبوا عني شيئًا ولا تقلدوني ولا تقلدوا فلانًا وفلانًا وخذوا من حيث أخذوا".
ونقل الإمام الشافعي -رحمه الله- الإجماع فقال: " أجمع المسلمون على أنَّ من استبان له سُنَّة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لم يحل له أن يدعها لقول أحد".
من أين تنشأ البدع؟
البدعة تكون بسبب اتباع الهوى؛ لأنَّ من عاند السُّنَّة فقد اتبع الهوى ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ) (القصص: 50) ، وتكون البدعة بسبب التقليد والتعصب للأشخاص أو الصالحين فيما أخطأوا فيه، ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ) (البقرة: 170) ، وتنشأ البدع بسبب التشبه بالكفار، قال -صلى الله عليه وسلم-: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
وهذا هو نفس الواقع اليوم، فإنَّ كثيرًا من المسلمين قلَّدوا الكفار في عمل أعياد الموالد، والاحتفال بمناسبات دينية اخترعوها ونسبوها للشرع ولم يحتفل بها صاحب الشريعة -صلى الله عليه وسلم-، وإقامة المآتم والأربعين والذكرى السنوية والبناء على القبور، بل والشركيات كدعاء أصحاب القبور.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى ). قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: ( مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى ) (رواه البخاري) .
فلا يمكن أن يكون الإنسان عابدًا لله إذا عبده بطريقة مخترعة على هواه، ويقول: أنا سأعبد الله وأتقرب إليه من خلال هذا الأمر المحدث!
إنَّ من دلائل نبوته -صلى الله عليه وسلم-: إخباره ما حدث بعده من تفرق الآراء والاختلاف الكثير، ولكنَّه أرشد إلى الحل، فقال: ( وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
فمن أراد أن يحتفل بمولده -صلى الله عليه وسلم- فليحتفل به كل أسبوع كما قال -صلى الله عليه وسلم- في يوم الاثنين: ( ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ، فَأُحِبُّ أَنْ أَصُومَهُ ) (رواه مسلم) ، فهذه هي السُّنَّة؛ أسبوعيًّا وليس مرة في السنة.
نريد احتفالًا حقيقيًّا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- كل يوم وليس مرة في العام، احتفِل يعني اهتم. فليكن لكل واحد منَّا نصيب من الاهتمام بسُنَّته -صلى الله عليه وسلم-.
كيف تهنأ ويمر عليك يوم لم تسمع أو تقرأ فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسمل؟
فاللهم ثبتنا على الإسلام والسُّنَّة، وألحقنا بالصالحين.
