شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

اتبعوا ولا تبتدعوا (خير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-)

ياسر عبد رب الرسول • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالعبد في طريقه إلى الله يحتاج إلى قوتين: قوة عملية تدفعه على الطريق، وقوة علمية تضيء له الطريق، حتى يصل إلى الله، فكل الطرق إلى الله مسدودة إلَّا طريق النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ومن سعادة أهل السُّنَّة أنَّ أعمالهم مقبولة ولو كانت يسيرة، بينما أهل البدع أعمالهم مردودة ولو أفنوا أعمارهم فيها؛ قال الله -تعالى-: ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) (الشورى: 21) ، فكل ما اتخذ دينًا لا بد أن يكون الله قد شرعه في كتابه أو على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وإلَّا فإنَّ الله لم يأذن به.

وقال -تعالى-: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ) (المائدة: 3) ، فما لم يكن يومئذٍ دينًا فليس اليوم بدين، وإذا كان الله -سبحانه- قد أكمل لنا الدين في كتابه العربي المبين وعلى لسان نبيه الأمين، فإنَّ المبتدع كأنَّه يستدرك على الشرع ويُكْمِله من عند نفسه؛ قال الله -تعالى-: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ) (النحل: 89) . قال القرطبي -رحمه الله-: "أي: ما تركنا شيئًا من أمر الدين إلَّا وقد دللنا عليه".

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ ) (رواه مسلم) . ولمَّا سئل سلمان الفارسي -رضي الله عنه-: ( عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ؟ ) قال: ( أَجَلْ ) (رواه مسلم) .

وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي فَعَمِلَ بِهَا النَّاسُ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فَعَمِلَ بِهَا، كَانَ عَلَيْهِ أَوْزَارُ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِ مَنْ عَمِلَ بِهَا شَيْئًا ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .

وقد قال -تعالى-: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ) (الحشر: 7) ، والرسول -صلى الله عليه وسلم- حذَّر من الابتداع في الدين، فقال: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) (رواه البخاري ومسلم) . ( مَنْ أَحْدَثَ ): يعني أوجد شيئًا لم يكن. في أمرنا: أي ديننا وشريعتنا. ما ليس منه: أي ما لم يشرعه الله ورسوله. فهو رد: يعني مردود عليه.

قال الإمام النووي -رحمه الله-: "قال أهل العربية: الرد هنا بمعنى المردود، ومعناه: فهو باطل غير معتد به". وقال: "وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام، وهو من جوامع كلمه -صلى الله عليه وسلم-، فإنَّه صريح في ردِّ كل البدع والمخترعات"، وقال: "وهذا الحديث ممَّا ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به".

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وما خالف النصوص فهو بدعة باتفاق المسلمين".

وقال الإمام الشاطبي -رحمه الله-: "والرأي إذا عارض السُّنَّة فهو بدعة وضلالة".

وقال الحافظ ابن رجب -رحمه الله-: "فمَن تقرَّب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله، فعمله باطل مردود".

حتى لو كان مخلصًا، فالنية الصالحة لا تصلح العمل الفاسد المخالف للسُّنَّة؛ قال -تعالى-: ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) (الكهف: 110) ، فلا بد أن يكون العمل خالصًا صوابًا، ولا يكون صوابًا حتى يوافق السُّنَّة في أصله وهيئته، فإذا أمر الشرع بالصلاة لا بد أن تكون صلاتنا وفق الشرع أيضًا في صفتها.

فلا بد أن توافق العبادة السُّنَّة في أوصافها، في: سببها، وكيفيتها، وجنسها، وقدرها، وزمانها، ومكانها، فيحرم اختراع شيء في دين الله ولو عن حسن قصد، ولو كان القلب يرق لذلك ويُقْبِل عليه، فهذا من تزيين الشيطان؛ لأنَّ حلاوة الإيمان الحقيقية لا تُتَذَوَّق إلَّا بالرضا والاكتفاء بالرسول مُبَلِّغًا للدين والشرع: ( ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ) (رواه مسلم) ، فكل ما أحدثه الناس من العبادات المخترعة في الدين، فهي مردودة غير مقبولة عند الله، أمَّا ما عفا عنه الشرع من وسائل الحياة فهو الذي قال فيه -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ ) (رواه مسلم) ، لمَّا كلموه عن تأبير النخل، ولم يُوحَ إليه -صلى الله عليه وسلم- فيه شيء، فردَّ هذا الشأن إلى الناس.

فلو أنَّ إنسانًا لبَّس على الناس وقال إذا كنتم تلزمون الناس بترك ما تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- = فلا تركبوا السيارات والطائرات ولا تستعملوا مكبرات الصوت ولا تستعملوا المراوح والتكييفات، لأنَّ الرسول لم يفعل ذلك! نقول: ضلَّ من قال ذلك، وضلَّ مَن لبَّس على الناس في ذلك؛ لأننا نترك ما ترك -صلى الله عليه وسلم- في أمور الدين، نترك ما ترك في العقيدة، نترك ما ترك في العبادة، في الأخلاق، فما تركه -صلى الله عليه وسلم- من الدين والقربات نتركه، فليست البدع في التجارات والصناعات وأنماط الحياة، وإنَّما البدع فعل ما تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- من الدين: كاتخاذ ما تركه -صلى الله عليه وسلم- في العقائد؛ فإننا نجزم ونقطع أنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يستعمل الفلسفة في بيان العقيدة، وإنَّما بيَّنها بآيات الله وبالأدلة التي تثير في قلوب الناس الفطرة السوية، كقوله -تعالى-: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ . أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ) (الطور: 35- 37) ، سمعها جبير بن مطعم -رضي الله عنه- قبل أن يسلم، فقال: "كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ" (رواه البخاري) .

الصفحة التالية