شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

اللهم إليك المُشْتكَىَ (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ماذا نصنع؟ وكيف نهنأ بالعيش والمسلمون قد تضاعف عددهم بآلاف الملايين، وقد تضاعفت محنتهم وبلاؤهم وكربهم؟ وعظم الجهل فيهم وقل العلم، وتسلط عليهم ( دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ) (رواه البخاري ومسلم) ، أمَّا يحق لنا أن نبكي على أمتنا وأبنائنا؟ ونشتكي إلى الله؟

سيدنا يعقوب -عليه السلام- لمَّا بكى وابيضت عيناه من الحزن قال: ( إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ) (يوسف: 86) . إذًا هناك لحظات لا بد أن تشكو فيها إلى الله، أن تبكي لله -تعالى- شاكيًا كرب نفسك وأهلك وأولادك وأمتك وما تشعر به إلى الله، إن يعقوب -عليه السلام- لمَّا ضيعوا أخاهم الثاني تذكر أمانة يوسف -عليه السلام- وكرمه وحلمه وحسن صفاته، فتأثر -عليه السلام- فابيضت عيناه من الحزن وهو كظيم، شكوى إلى الله -تعالى- وحزنًا على عدم الراعي الشفيق الرفيق.

مع أنَّه يعلم أنَّه عن قريب يلقاه، وأنَّ غيابه مؤقت، لأنَّه يعلم من الله حكمته وحمده ويعلم من وعده الصادق الذي لا يخلف ما لَا يعلمون، يعلم من جوده -تعالى- ويعلم من رحمته وفضله ما لَا يعلمون، ويعلم من عزته -تعالى-، وأنَّه الغالب على أمره ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون، ويعلم أنَّه -تعالى- حَسْبُ من توكل عليه، وأنَّه لا يضيع أجر المحسنين، ما يجعله يوقن بقرب لقاء يوسف -عليه السلام-، فهل نبكي على حالنا وحال أمتنا ونشكو إلى الله همنا وحزننا وبثنا عسى أن يكون في ذلك قرب فرجنا؟ وإن كنا لا ندري ما يصنع الله بنا كأفراد أو كجيل، لكننا على يقين من أنَّ الأمة لا تموت، وأنَّ الحق لا بد له من ظهور، وأنَّه ( لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْهَا عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ) (رواه مسلم عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-، وأصله في الصحيحين) ، فنسأل الله -تعالى- أن يجعلنا منهم، وأن يثبتنا.

وقول الله -تعالى-: ( وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ ) (يوسف: 84) ، أي: ساكت كئيب لا يشكو أمره وما يجده في صدره إلى مخلوق، والبث: أي الهم والغم على المستقبل والحاضر والحزن على الماضي، وليس بثه وحزنه لفوت دنيا أو لمجرد فقد ابن، بل قلقًا على مستقبل أمة وغياب راعٍ شفيق يقوم مقام أمة، وهو مع ذلك لا ييأس من رَوْح الله، ويبث روح الرجاء التي تبدد ظلمات اليأس في بنيه الذين يشفقون عليه من الضعف ( قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ) (يوسف: 85) أي: ضعيف القوة أو يكون من الهالكين، أي ربما تموت من شدة الحزن والبكاء.

وهذه كانت بداية تغير في صفاتهم، فلم يكن عندهم مثل هذه الرحمة قبل ذلك، لم يكونوا يرحمون أباهم، ولو كانوا رحموه لمَّا أخذوا منه ابنه، ولمَّا تركوه كل هذه المدة، ولكنَّهم بدؤوا يشفقون عليه، وهذه بداية تغير نتيجة الانكسار الشديد الذي حصل لهم، وهذا من رحمة الله -تعالى-، إنَّ هذا الانكسار الذي حدث كان رحمة، فتجد تغيرًا منهم بدأ بقول كبيرهم: ( وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ) (يوسف: 80) .

هذه الكسرة التي حدثت كانت خيرًا، وكانت مصلحة، فبدؤوا يقولون: فرطنا في يوسف، وبدؤوا يتجهون إلى التعبد بالأسماء والصفات، لأول مرة يذكرون اسمًا من أسماء الله الحسنى هذه المرة أمَّا قبل فلا ولا مرة، أول مرة يقول قائلهم: ( أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ) (يوسف: 80) ؛ لأنَّ الإنسان إذا التفت إلى آثار الأسماء والصفات، وعرف هذه الأسماء والصفات يبدأ حاله يتغير، فلا يكون ضالًّا لا يعرف ربه -تعالى- ولا يرى آثار أسمائه وصفاته في الكون المشهود فضلًا عن آيات الله المقروءة.

ثمَّ يقول لهم يعقوب -عليه السلام- واصفًا حقيقة بكائه وحزنه، يعني تظنون أني سأموت من الضيق؟ ( إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ) (يوسف: 86) . يعني: يشكو حاله إلى الله، يبكي لله حتى تبيض عيناه شاكيًا لله ربه -سبحانه-.

قال: ( إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ . يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (يوسف: 86- 87) . إنَّ عبادة الشكوى إلى الله عبادة عظيمة ومهمة، تزيل كل هم، وتزيل كل حزن وتملأ القلب فرحًا وسرورًا، وتجلب للقلب أنواعًا من الطمأنينة والراحة والسرور والسعادة ممَّا لا يمكن أن تكون في عبادة غيرها، إنَّها عبادة استعملها نوح -عليه السلام- حينما اشتكى إلى الله قومه: ( قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ) (نوح: 5- 6) ، فالداعي إلى الله عندما يجد انصرافًا عن الدعوة، وضعف الآثار لهذه الدعوة يتذكر نوحًا -عليه السلام-، فهو لم يقصر في الدعوة: ( وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ) (نوح: 7) .

الصفحة التالية