اللهم إليك المُشْتكَىَ (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • مع الدعاة
وأدَّاها محمد -صلى الله عليه وسلم- في الشكوى إلى الله حين قال: ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مِنْ أَنْ يَنْزِلَ بِي سَخَطُكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ غَضَبُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ ) (رواه الطبراني، وضعفه الألباني) ، وهو رغم ضعف إسناده لكنَّ شهرته تغني عن الإسناد، والمتن رائع عظيم القدر، إنَّها عبادة الشكوى إلى الله، أوقفت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين سمع نشيجه عند قراءة هذه الآية، واستوقفته حين كان مع أصحابه فاستوقفته امرأة عجوز فترك الناس وقام لها فأطال القيام حتى قضى حاجتها وانصرفت.
فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، حَبَسْتَ رجالات قريش على هذه العجوز؟
قال: ويحك، أتدري من هذه؟ قال: لا!
قال: "هَذِهِ امْرَأَةٌ سَمِعَ اللَّهُ شَكْوَاهَا مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ هَذِهِ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، وَاللَّهِ لَوْ لَمْ تَنْصَرِفْ عَنِّي إِلَى اللَّيْلِ مَا انْصَرَفْتُ عَنْهَا حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا إِلَّا أَنْ تَحْضُرَ صَلَاةٌ فَأُصَلِّيَهَا ثُمَّ أَرْجِعَ إِلَيْهَا حَتَّى تَقْضِيَ حَاجَتَهَا"، ورُوِي من طريق آخر وإن كان منقطعًا.
فتأمل ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) (المجادلة: 1) .
قد مرت على كثير ولم ينتبهوا لها، لكن انظر موقف الصحابة منها، استوقفت عائشة -رضي الله عنها- فقالت: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ..." (رواه البخاري) .
واستوقفت عمر -رضي الله عنه-: ( سَمِعَ اللَّهُ شَكْوَاهَا مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ ). قضايا العبادة وقضايا الأسماء والصفات، إنَّ الله يسمع الشكوى، ويزيل ما يشتكي منه عبده المؤمن، ويقضي حاجته تستوقف المؤمنين، فهذه عبادات عظيمة، ليست لمجرد أن نعرف أنَّ حكم الظهار عتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينًا من غير أن نحقق العبوديات القلبية الموجودة في هذه الآيات الكثيرة.
عبادة الشكوى إلى الله -تعالى- من أجلها قدَّر الله المحنة والابتلاء، بل والمعصية والكفر، فالذي كفر هو الذي يؤذي المسلمين حتى يسمع الله -تعالى- تضرع عباده، وقد يؤخر دعوتهم وقد أجابها، ولكن يؤخرها لأنَّ الله قال: ( وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (غافر: 60) .
ويؤخر لأنَّه يحب أن يسمع تضرعهم وشكواهم إليه -سبحانه وتعالى- ( فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا ) (الأنعام: 43) ، فهل وجدت أخي المبتلى مفتاح هذا الكنز الذي معك، وربما لا تدري، فهلا فتحت القفل بالمفتاح وأعددت القلب ليفاض عليه من الرحمة ويسبغ عليه من النعمة.
اللهم إنَّنا نشكو إليك بث المسلمين، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، نرجو رحمتك، ونخاف عذابك، اللهم فرج كرب المكروبين، وفك الأسر عن المأسورين، وارفع الهم عن المهمومين، اللهم استر عورات المسلمين، وآمن روعاتهم، اللهم أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، اللهم ارحم موتاهم، واشف مرضاهم، وجرحاهم، وخفف آلامهم، وارحم أيتامهم وأراملهم، ورجالهم، ونساءهم، في كل مكان يا رب العالمين.
وآخر دعوانا أنِ الحمد لله رب العالمين.
