من نعيم النساء في الجنة (3)
الشيخ علاء بكر • المرأة والأسرة
قال ابن القيم -رحمه الله-: "وصية الله للآباء بأولادهم سابقة على وصية الأولاد بآبائهم، فمن أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنَّما جاء فسادهم من قِبَل الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وسننه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا ولم ينفعوا آباءهم كبارًا، كما عاب بعضهم والده على العقوق، فقال: يا أبت إنَّك عققتني صغيرًا فعققتك كبيرًا، وأضعتني وليدًا فأضعتك شيخًا: (تحفة المودود) . ولا شك أنَّ مسؤولية الأم كمسؤولية الأب فما تستطيع أن تفعله مع أولادها في هذا الأمر خطير، قصر الوالد في ذلك الواجب أم لم يقصر.
ومن واجباتها هنا:
- تعويدها طفلها على ذكر الله من صغره.
- غرسها محبة الله -تعالى- في نفس طفلها.
- غرسها تعظيم الله -تعالى- وخشيته في نفس طفلها.
- غرسها مراقبة الله -تعالى- في نفس طفلها.
- تعويدها طفلها على الكلمات الطيبة مثل: جزاك الله خيرًا.
- تعويده على الأدعية الممكنة وأذكار الطعام والنوم ونحوه.
- إعاذة طفلها بتعوذ النبي -صلى الله عليه وسلم- للحسن والحسين -رضي الله عنهما-: ( أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ ) (رواه البخاري) ، حتى لا يتعرَّض له الشيطان. قالت امرأة عمران في حق ابنتها مريم: ( وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ . فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ) (آل عمران: 36- 37) .
- تحفيظ طفلها ما يستطيع من آيات القرآن الكريم، وكذلك قدرًا من الأحاديث النبوية المناسبة.
- تعليم الطفل شيئًا مناسبًا من السيرة النبوية، ومواقف مؤثرة من سير السلف الصالح لغرس المعاني الكبيرة والنبيلة في نفوس الصغار الإسلامي، مع تحفيزهم وشحذ هممهم وتنمية طموحهم للأخلاق والأعمال والمهام الجليلة.
- تدريب الأطفال عمليًّا على أخلاق الإسلام وآدابه، وتعويدهم عليها، كالصدق في القول والعمل وعدم إخلاف الوعد والوفاء بالعهد، مع المتابعة والمراقبة لأعمالهم وسلوكهم وأقوالهم وتقويمها، فهذا أنسب سن للتهذيب والتقويم.
قال الشاعر:
إنَّ الغـصـون إذا قــوَّمتها اعتدلت ولا يـلـيـن إذا قـوَّمـتـه الخــشـب
قد ينفع الأدب الأحداث في مــهــل وليس ينفع في ذي الشيبة الأدب
- أمَّا في سن المراهقة والشباب فتزداد مسؤولية الوالدين ويحتاج الأمر إلى تعاون الوالدين معًا في تربية الأولاد.
وبالنسبة للأم فعليها في هذه المرحلة:
- التعاون والتنسيق مع الأب في رعاية الأبناء.
- المتابعة المنزلية للأولاد، وتوفير البيئة المناسبة لأمور الخير والصلاح، وإضعاف ما يناقضها.
- إشعار الابن والبنت بقيمتهما، بإشعار الابن برجولته بالقيام بمهام الرجال وتحميله شيئًا مناسبًا من أعباء الأسرة، وكذلك إشعار البنت بكونها أنثى عليها القيام بمهام النساء، وتحمل شيئًا من المسؤولية في أعمال المنزل، وعدم إهمال ذلك بالكلية بأي مبرر، لتمرينهما على أعباء المستقبل.
- بداية مرحلة من الصداقة مع ابنتها وإشعارها أنَّها صديقة لها مع كونها أمها، لئلَّا تخفي عليها ما قد يكون سببًا في الإضرار بها وهي لا تدري.
- إطلاع الأب على أحوال أولاده، وعدم إخفاء أي تصرفات غير مقبولة من أولاده الذكور أو الإناث.
إنَّ هذه المسؤوليات تؤكد على أنَّ الأم في بيتها هي حاضنة ومربية ومعلمة ومدبرة ومنفذة، وهي بالتالي من تُعِدُّ للأمة أجيالًا من الصالحين الأفذاذ من العلماء والدعاة والمفكرين والصناع والمجاهدين والأبطال. وحق دخول الجنة والتمتع بما ذكرناه من نعيمها في النفس والمسكن هو على قدر ما تتحمله وما تحققه المرأة بالفعل تجاه خالقها ونفسها وزوجها وبيتها وأولادها من المسؤوليات الجسام الملقاة على عاتقها.
ومن كمال ذلك الحذر ممَّا يبطل ثواب ذلك، ومنه:
- قضاء الأوقات خاصة أوقات الفراغ في سماع ومشاهدة ما تحتوي عليه وسائل الإعلام من اللهو والعبث والمعاصي. ومن مصاحبة ومجالسة صديقات السوء والتجول بالطرقات والانشغال بالمكالمات الهاتفية غير المفيدة شرعًا، بما يعني استهلاك الأزمان في معصيته -تعالى- والإنسان مسؤول عن عمره ووقته دقيقة بدقيقة -بل ثانية بثانية- فيما أفناه.
- اتباع ما يُجْلَب من بلاد الكفار من أنواع الموضات والتقاليع في الملابس والتسريحات ونحوها، وغالبها الغرض منه الزينة الملفتة للانتباه والأنظار، مع ما فيها من أنواع التشبه بالكافرات المنهي عنه، بل والتشبه بالرجال المنهي أيضًا عنه.
- الخروج للأسواق لغير حاجة والإكثار من التجول فيها وفي الطرقات، وهذه آفة خطيرة انتشرت فالأسواق شر بقاع الأرض ومرتع للشيطان. ومرفوعًا: ( الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) . والمراد أنَّها فتنة للرجل فينبغي حجبها وسترها.
- الخروج إلى المتنزهات والملاهي التي فيها الاختلاط والتبرج واقتراف الشرور والآثام.
من واجبات المرأة تجاه مجتمعها:
- النصح لصديقاتها وجاراتها والإحسان إليهنَّ. ففي الحديث المرفوع: ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ) (رواه البخاري ومسلم) . ومرفوعًا: ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) (رواه مسلم) . سواء النصيحة المباشرة عند طلبها أو النصيحة غير المباشرة حسب الحال والمقام، وتعليمهنَّ ما يحتجن إليه من أحكام الدين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومرفوعًا: ( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ) (رواه مسلم) . ومرفوعًا: ( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ) (رواه البخاري) . ولا شك أنَّ المرأة أقدر من الرجل في الحديث مع النساء فيما يخصهنَّ من أحكام الدين، خاصة بالدعوة الفردية والنصيحة الشخصية.
- النصح والإرشاد لقريباتها وصلة رحمها بتوجيههنَّ عند رؤية ملاحظة شرعية في الملبس والسلوك والكلام.
