من نعيم النساء في الجنة (3)
الشيخ علاء بكر • المرأة والأسرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فبما أنَّ المرأة مكلَّفة في الدنيا وستُحاسَب على ما عملت فيها إمَّا بالجنة وإمَّا بالنار، وقد رأينا ما أعدَّه الله -عز وجل- لها في الجنة من أنواع التكريم والنعيم، فحري بنا أن نبيِّن للمرأة في إيجاز منهج عمل يحتوي على أهم ما عليها من مسؤوليات وواجبات عليها الإتيان بها لتنال نعيم الآخرة، خاصة مع كثرة المهام ومشقتها على الكثيرات، وكثرة التبعات الملقاة على عاتق المرأة: زوجة، وأم، وعضو له دوره في المجتمع، بجانب ما لها من أحكام تتعلق بطبيعتها المختلفة عن الرجل من الحيض، والحمل والولادة، والنفاس، والرضاعة، وأحكام التحجب والتستر وعدم مخالطة الأجانب أو الخلوة بهم، وفي الحديث المرفوع: ( كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ )، وفيه: ( وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا ) (رواه البخاري ومسلم) .
وقد صارت المسلمة اليوم أول المستهدفات التي يتطلع إليها أعداء الإسلام بهجماتهم الشرسة على الإسلام والمتمسكات به، بغية جعلها تفرط وتتساهل في واجباتها المنوطة بها، أو تتخلى عن بعضها، وبالتالي إضعاف مجتمعاتنا الإسلامية، وهدمها من الداخل بيد بناتها ونسائها، وقد نجحوا في ذلك إلى حدٍّ كبير في ظل الهرج والمرج، وتكاثر الخائضين بأهوائهم في قضايا المرأة المسلمة، بما فيها قضايا هي من المسلَّمات في الشريعة الإسلامية، حتى صارت أكثر النساء بدعوى التحضر والمدنية والحريات ألعوبة في يد من لا يريد لهنَّ إلَّا أن يكنَّ عابدات للشيطان أو منقادات لأهواء أتباع الشيطان، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم.
لقد أصبحنا اليوم في أشد الحاجة إلى المؤمنة الواعية التي تعرف شريعة ربها، وتعمل على بصيرة بمسؤوليتها، وقدوة لغيرها، وتعي أيضًا كيد أعداء دينها فلا تقع في شراكهم.
إنَّ المرأة شريكة للرجل سواء بسواء في حمل الأمانة التي كلف الله الإنسان؛ قال -تعالى-: ( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) (الأحزاب: 72) . قال ابن عباس -رضي الله عنهما- ومجاهد وسعيد بن جبير -رحمهما الله-: هي الفرائض. وقال قتادة -رحمه الله-: الأمانة هي الدين والفرائض والحدود. قال أُبَيُّ بن كعب -رضي الله عنه-: من الأمانة أنَّ المرأة اؤتمنت على فرجها.
قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير سورة الأحزاب: "وكل هذه الأقوال لا تنافي بعضها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنَّها التكليف". وفي الحديث المرفوع: ( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
- واجبات المرأة نحو ربها -عز وجل-: وظيفة الإنسان رجلًا أو امرأة عبادة الله -تعالى-، قال -تعالى-: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (الذاريات: 56) . وعبادة الله -تعالى- مدارها على فعل كل ما أمر به، وترك كل ما نهى عنه، وفي مقدمتها العبادات المحضة: من الصلاة والصيام والدعاء، وذكر الله، ونحوها، وهي بالطبع في مقدمة العمل الصالح، ففي الحديث المرفوع: ( إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا؛ قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .
والأعمال الصالحة عامة لها ثلاثة شروط للقبول، لا تقبل العبادة إلَّا بها، وهي:
1- الإيمان ونقيضه الكفر، قال -تعالى-: ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ) (النساء: 124) .
2- الإخلاص لله -تعالى-، ونقيضه الشرك.
3- موافقة الشرع (الكتاب والسنة)، ونقيضه الابتداع في الدين.
وأركان الإيمان ستة؛ هي: الإيمان بالله -تعالى-، بإفراده في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقضاء والقدر خيره وشرِّه. وهذه الأركان لها إجمال وتفصيل، وتتعلق بها قضايا الكفر والإيمان، تحتاج العلم الصحيح بعيدًا عن الخرافات والخزعبلات التي شابت عقائد الكثير من العوام، فسقط الكثير منهم في الكفريات، استقوها من بيئة يعيشون فيها بعيدة كل البعد عن العلم النافع، ومن وسائل إعلام مرئية ومسموعة ومقروءة باتت أضرارها أكثر بكثير من نفعها، وأصبح لزامًا على المسلم طلب علم هذه المسائل بتفاصيلها من مصادرها الصحيحة ما استطاع، ويحتاج الأمر إلى دراسة منهجية متكاملة للكتب المعتبرة على يد علماء متقنين.
ولعل من أنفع الكتب في ذلك: (معارج القبول) لحافظ حكمي -رحمه الله- و(فتح المجيد شرح كتاب التوحيد) مع تعليقات فضل الغني الحميد.
وتحقيق التوحيد يستلزم تجنب الشرك سواء الشرك الأكبر أو الأصغر، وتجنب نواقض الإسلام القولية والعملية، ومعرفة قضايا الولاء والبراء والتحاكم إلى شرع الله -تعالى-، والعذر بالجهل ونحوها؛ قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (الزمر: 65) .
