الدين الإبراهيمي الجديد بين الحقيقة والضلال (271) حجج إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لقومه وإنجاء الله له من النار ومجادلته في قوم لوط (11)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قال الله -عز وجل-: ( وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ . أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ . وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ . وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ . فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ . أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ . قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ . وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ . قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ . وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ . إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ . وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (العنكبوت: 16- 35) .
الفائدة العاشرة:
دَلَّ قوله -سبحانه وتعالى-: ( وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ): على وجوب الشكر، ولمَّا كان حقيقة شكر نعمة الله -سبحانه وتعالى- على ما يستحقه -عز وجل- لا يُحْصِيهَا العباد، كان من كرم الله -سبحانه وتعالى- وجُودِه وإحسانِه إلى الخلق أنَّه يرضى منهم بالقليل من الشكر؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا ) (رواه مسلم) ، وإن كان المقصود حَمْدًا يَعرف العبد به أنَّ النعمة من الله -سبحانه وتعالى-، وأن يستعملها في طاعته، وأن يشكرها بلسانه، وليس مجرد تحريك اللسان.
والله -عز وجل- جعل الأرزاق سببًا للشكر كما دَلَّت عليه الآية، وهو -عز وجل- شكور يرضى باليسير بأن يقول العبد بعد أن يأكل: "الحمد لله"، وبعد أن يشرب: "الحمد لله".
وليَتَأَمَّل الإنسان كيف وصلت له هذه الشربة، وكيف نزلت من السماء في وقت لا يعلمه هو، ولا أحد من الخلق، وإنما يعلمه الله وحده؛ فتفكَّر في قطرات الماء التي تشربها من أين أتت؟ وفي أي يوم من الأيام نزلت من السماء؟ نزلت في وقتٍ معينٍ، هو -عز وجل- أعلم به، ثُمَّ سَيَّرها الله -تعالى- بقدرته مسافات طويلة تجري في أنهار وترع، وتمر على سدود قد احتجزت مدة عند السدود والقناطر، ثُمَّ بعد ذلك احتجزت عند عوائق أخرى وغابات، ثم مَرَّت في القنوات الصغيرة، ثُمَّ في وسائل نقل المياه وتنقيتها، ثُمَّ وصلت إلى الصنبور، ثُمَّ فُرِّغَت في الكوب، ثُمَّ شربته أنت، فماذا فعلت أنت في هذا كله؟!
وسبحان الله! إن هذا من نعيم أهل الجنة؛ أن يصل الماء إليهم في أماكنهم، قال الله -عز وجل-: ( يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ) (الإنسان: 6) . وأمَّا الإنسان في أول نزوله إلى الأرض، فكم شقي حين كان يعطش فلا يجد الماء إلَّا في الأنهار البعيدة عنه، أو العيون وهي أصعب في الوصول إليها، ولم يكن هناك آلات يتخذها بعد وإنَّما يُضْطَرُّ أن يشرب بيده؛ لأنَّ الزجاج أو الأواني المعدنية أو حتى الحجرية تأخر صنعها إلى ما شاء الله -عز وجل-، وكل هذا من نِعَم الله، نحن ما فعلنا إلَّا الخطوة الأخيرة وهي شرب هذا الماء! وأمَّا ما كان قبل هذا فليس من تصرف البشر، أو تصرفهم في شيء يسير منه، لكن في النهاية وصلتْ إليك هذه القطرات بنعمة الله -عز وجل-.
