جوانب من مخالفة الاشتراكية للإسلام
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالاشتراكية نظام اقتصادي يهدِف إلى اشتراك الجميع في الملكية العامة للدولة من خلال التوسع في تملك أدوات الإنتاج مع الحدِّ من الملكية الخاصة للأفراد، مع ما يترتب على ذلك ويرتبط به من انعكاسات تتعلق بالنواحي السياسية والثقافية والاجتماعية، فالاشتراكية هي مراعاة مصلحة المجموع على حساب مصلحة الفرد.
والغرض من ذلك: عندهم هو تجنُّب ويلات ومساوئ النظام الرأسمالي، وطغيان الأغنياء أصحاب الأموال، وإزالة الفوارق بين طبقات المجتمع، وبالتالي تحقيق العدالة الاجتماعية -زعموا- في توزيع ثروات وموارد الأمة.
مقومات الاشتراكية:
- الحد أو الإلغاء الجزئي أو الكلي للملكية الخاصة؛ حيث تتملك الدولة في النظم الاشتراكية كل أو معظم أدوات الإنتاج لتصير ملكيتها عامة، وفي المقابل توضع القيود على الملكية الخاصة لتحجيمها.
- المساواة بين جميع الأفراد في الدولة في فرص التعليم والعمل والسكن والرعاية الاجتماعية والصحية، بصرف النظر عن التفاوت في القدرات والمواهب والإمكانيات مع تحمُّل الدولة كل الأعباء المترتبة على تلك المساواة.
- تولي الدولة تنظيم الحياة الاقتصادية وتوجيه الاقتصاد الوطني وفق أهداف ومتطلبات الدولة (الاقتصاد الموجه).
- سيطرة طبقة العمال (البروليتاريا) والفلاحين على مقاليد الأمور والحكم؛ حيث إنها الطبقة التي تحمل على عاتقها الإنتاج.
- تقييد حرية تملك الأفراد لوسائل الإنتاج.
- التوسع في تقديم الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية وتحقيق العدالة في تقسيم الثروات (العدالة في التوزيع).
- يرى أصحاب الفكر الاشتراكي على اختلاف درجاتهم أن الاشتراكية تجنِّب الدولة ويلات النظام الرأسمالي الذي ينحاز إلى مصلحة الفرد على مصلحة الجماعة؛ مما يتسبب في طغيان أصحاب رؤوس الأموال وتشجيع النزعات الفردية والأنانية وتكدس الأموال لدى أقلية تمتلك أدوات الإنتاج وتسود، وبالتالي ترسيخ الفوارق بين طبقات المجتمع، وفقدان فرص المساواة بين الجميع، والتفاوت في التعليم والرعاية الصحية والاجتماعية، وتزايد معدلات البطالة، وحرمان البعض من الحصول على احتياجاته الأساسية في ظل عدم القدرة على الوصول إليها خاصة مع قلة مواهب وقدرات البعض ونقص الفرص المتاحة لهم.
فيرى أصحاب الفكر الاشتراكي أن الاشتراكية تحقق:
- منع طغيان أفراد أو طبقة من الطبقات.
- المساواة بين الجميع، وبالتالي القضاء على الفوارق بين طبقات المجتمع.
- إتاحة الدولة فرص التعليم والعمل والسكن للجميع، وبالتالي القضاء على البطالة وتوفير الاحتياجات الأساسية للجميع.
- تنمية روح الجماعة ونبذ النزعات الفردية الأنانية ومراعاة المصلحة العامة، وبالتالي منع الفوضى في الأفكار والتعددية في الانتماء.
من عيوب الاشتراكية:
بعيدًا عن الصورة الوردية التي يتصورها ويدندن أصحاب الفكر الاشتراكي حولها، فإن مغالاة الاشتراكية في مراعاة مصلحة الجماعة على حساب مصلحة الفرد مع تسلط طبقة البروليتاريا على الحكم وحجرها على تصرفات وحريات الجميع، بما لا تستقيم معه الحياة على صورتها الطبيعية، أدَّى إلى سقوط النظم الاشتراكية خاصة المتشددة منها.
لقد بدا من خلال تطبيق الاشتراكية الكثير من العيوب والسقطات؛ منها:
1- محاربة الاشتراكية لما جُبِلَت عليه النَّفس البشرية من حبِّ الإنسان للتملك والتكسُّب بحسب طاقته وقدراته ومواهبه التي حباه الله -تعالى- بها، وحرصه الغريزي على جمع المال لنفسه ولأسرته ولأبنائه من بعده شفقة منه عليهم. وهذا الأمر مِمَّا فطر الله -تعالى- العباد عليه، وليس من خير البشرية مصادمته، لكن المطلوب هو تقويمه وتهذيبه حتى لا تقع المغالاة فيه، فتنمو وتغلب لدى الأغنياء روح الأنانية وحب النفس على حساب المجموع. قال الله -تعالى- عن حب الإنسان للتملك وللمال: ( وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ) (الفجر: 20) .
وعن حب الإنسان لأبنائه والقلق عليهم إذا تركهم من بعده بدون مال شفقة منه عليهم، قال -تعالى-: ( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ) (النساء: 9) ؛ لذا فالإسلام يقر تمتع الإنسان بما يكتسبه من المال بعمله وجمعه، طالما اكتسبه من حلال وينفقه في الحلال، ويؤدي حق الفقير فيه. ويقر الإسلام أيضًا نظام الميراث العادل للأبناء والأقرباء بعد وفاة الآباء خلافًا للاشتراكية الماركسية (الشيوعية) التي تعاديه. ومع حرية العمل والتملك بحسب المواهب والقدرات وإقرار الميراث للأبناء والأقرباء تستقيم الحياة، ومع تحديد حرية التملك وتقييد الميراث، يكون التضييق والمصادمة لما فُطِرَت عليه النفس البشرية.
والإسلام يقر كذلك ما يترتب عن ذلك من التفاوت بين الأفراد في الأرزاق بحسب ما أودعه الله -تعالى- في عباده على اختلافهم من القدرة على التكسب من الأعمال بحسب القدرات والمواهب والإمكانيات والتي تختلف من فرد لآخر، قال -تعالى-: ( إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ) (الإسراء: 30) ، وقال -تعالى-: ( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ) (النحل: 71) ، وقال -تعالى-: ( انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ) (الإسراء: 21) ، وقال -تعالى-: ( أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (الزخرف: 32) .
