"البالون - وأكياس الرمل - والأعمدة الخراسانية!" (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ذكَّرتني العمارة المنهارة -أسأل الله أن يجعل مَن ماتوا تحت أنقاضها مِن الشهداء، وأن يجعلها سببًا لتقوى الله في أرواح المسلمين وممتلكاتهم ممَّن يتولى أمور البناء- بمَثلٍ كنتُ أضربه لإخواني شعرتُ بمدى الحاجة الشديدة إلى فهمه والاتعاظ به.
كنتُ إذا وجدتُ الإخوة منشغلين ببعض الأعمال الدعوية الإعلامية كنحو تعليق لوحات ضخمة عن الدعوة قد تعطي الدعوة حجمًا أكبر مِن حقيقتها، وربما خدعتْ حتى الدعاة أنفسهم؛ أقول لهم: "إن نفخ البالون يستغرق ثوانٍ معدودة، ويتضخم الحجم بسرعة هائلة، وفي نفس الوقت بشكة إبرة أو دبوس يسهُل الأمر جدًّا على مَن أراد أن يفرقع هذا البالون ويدمره في ثانية واحدة، وأما كيس الرمل فيحتاج إلى وقت طويل في تعبئته وجهد أكبر بكثير مِن النفخ، ولكنه حين يطعن فيه أحد ولو بسكين -وليس بإبرة أو دبوس- سوف تسقط منه كمية من الرمل، لكن سيظل حافظًا لكيانه ويظل كيس رمل".
وكنتُ أقصد بذلك أن العمل البنائي في الدعوة وتكوين الشخصية السوية وإن استغرقا وقتًا أطول ولم يكونا بالحجم الذي يرغب فيه البعض مِن الإعلام والشهرة؛ إلا أنه أثبت وأعمق أثرًا وأبقى للدعوة وللمسلمين.
ثم بعد أن تعرَّضت الدعوة لمحنٍ تنكشف فيها حقائق الشخصيات، ودخائل النفوس، والموازين الصحيحة لحقيقة العمل الدعوي، ظهر لي أن أكياس الرمل التي كنتُ أكلم الإخوة عنها لا تصلح نهائيًّا لأن يُبنى عليها!
فمَن ذا الذي يَقبل أن يبني بيتًا في أرض كثيرة الزلازل على أكياس رمل؟!
إنه لا بد أن يبني بناءه على "أعمدة خراسانية قوية"، ولا بد في كل عمود منها مِن أعواد الحديد المسلح، وهي التي تثبت بها الأعمدة، وتصبح أعمدة خراسانية، وبدونها يتهدم البناء مع أول زلزال وربما قبله! وكذلك البناء الدعوي في مواجهة الفتن الكثيرة، وقد تكالب الأعداء مِن الكفار والمنافقين الدعاة على أبواب جهنم على أمتنا؛ يسعون إلى زلزلة ثوابت عقائدها وراسخ أعمالها وسلوكها، وإن كانوا قد يئسوا مِن هزيمة الدين كدين؛ مصداقًا لقول الله -تعالى-: ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ) (المائدة:3) .
فمنذ ذلك اليوم وهم عاجزون -مهما تفاوتت القوى ومهما بلغ المسلمون مِن الضعف- عن إبادة هذا الدين وإزالته مِن الوجود، لكنهم لم ييأسوا مِن محاولات التحريف والتبديل، ومحاولات زرع الفيروسات الطفيلية التي تغير وجهة الكثيرين مِن أفراد المسلمين إلى وجهة أخرى غير التي وجههم إليها الإسلام؛ وجهة جهنمية شيطانية وهم مقتنعون بأنهم مسلمون مؤمنون، بل محسنون؛ مصداقًا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في جوابه لحذيفة -رضي الله عنه- حين سأله عن الخير والشر، فقال: " إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟" قَالَ: ( نَعَمْ ) (متفق عليه) . وهو شر الاختلاف والفرقة بين الصحابة -رضي الله عنهم- ابتداءً مِن أواخر عهد عثمان -رضي الله عنه-.
قال: " قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟" قَالَ: ( نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ ). قُلْتُ: "وَمَا دَخَنُهُ؟" قَالَ: ( قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ ). وهذا إشارة إلى عهد ما بعد الخلافة الراشدة، ووجود المُلك الذي كان أعدله ملك معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه-، لكن زاد الدخن بعده وكثر المنكر، لكن بقي المعروف موجودًا مِن إقامة الدين والجهاد والدفع عن الحوزة، واستمر في عهد الخلافة الأموية والعباسية وما بعدها في الجملة إلا في البلاد التي سيطر عليها أهل الزندقة والنفاق؛ فهم المقصودون بما يأتي في الحديث بعد.
قال: " قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟" قَالَ: ( نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا ). قُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا". قَالَ: ( هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا ) وفي رواية مسلم: ( قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ ). وهذا إشارة إلى مَن تسلط مِن أهل النفاق والضلال والبدع: كالباطنية، والقرامطة، والرافضة، وغلاة الصوفية ثم العلمانيين أولياء الغرب بعد ذلك!
قُلْتُ: "فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟" قَالَ: ( تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ). قُلْتُ: "فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلا إِمَامٌ؟". أي في المحل الذي يكون المكلـَّف فيه؛ وإلا فلا تزال طائفة مِن هذه الأمة على الحق ظاهرة لا يضرها مَن خالفها أو خذلها حتى تقوم الساعة.
قَالَ: ( فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ). وتلك الفرق هي الداعية إلى جهنم مثل مَن ذكرنا، وليس أهل السنة والجماعة كما يحاول البعض ممن يروج للدعاة على أبواب جهنم أن يحمل الحديث على غير ما يحتمله لصرف الناس عن الحق والتعاون على البر والتقوى.
فمحاولة أعداء الإسلام أن يغيروا وجهة المسلمين ومجتمعاتهم لم تيأس، ولا تزال محاولة تمرير المشروعات الشيطانية التي تعارض ثوابت الأمة مستمرة: كالطعن في التوحيد والإيمان بنشر الشرك والكفر بالغلو في الصالحين عمومًا "وآل البيت خصوصًا" حتى يُعامَلوا كالآلهة، وتُصرف لهم العبادات بأنواعها مِن الدعاء، والاستغاثة، والاستعانة، والذبح، والنذر، والطواف بقبورهم، واعتقاد علمهم الغيب، وتصريفهم الكون، وملك الضر والنفع، وغير ذلك مِن مظاهر الشرك.
وكالطعن في مرجعية الأمة لشرع الله ونشر شرك التشريع مِن دون الله ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) (الشورى:21) .
