شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

من سمات المدرسة الإسلامية العقلية الحديثة

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

وهذا التقسيم مستفاد من جملة كتابات هؤلاء ومواقفهم من القضايا المطروحة في الساحة على وجه العموم، ويُعَدُّ هذا التقسيم تقسيمًا اصطلاحيًّا تقريبيًّا قد لا يمكن ضبطه على وجه الدقة. (راجع في ذلك: "الدولة المدنية بين الاتجاه العقلي الإسلامي المعاصر والاتجاه العلماني: دراسة عقدية"، تأليف دكتور ماجد بن علي بن إبراهيم الزميع ط. دار الفضيلة - الرياض - توزيع دار الهدي النبوي - المنصورة - ط. أولى 1434 هجريًّا - 2013م، 306- 307 بتصرف) .

ومن خلال تتبع آراء وأقوال المنتمين لهذه المدرسة العقلية على تنوعهم يمكننا التعرف على أبرز سمات هذه المدرسة، والتي يشترك فيها على وجه العموم معظم المنتمين لتلك المدرسة وإن تفاوتوا في الأخذ بها والعمل بمقتضاها من شخص لآخر، بحسب القرب من الشرع أو البعد عنه. وهذه السمات موجودة فيهم على وجه العموم عند الكثيرين من رموزهم، وقد لا توجد بعضها عند رموز أخرى لهم.

ومن أبرز هذه السمات:

1- الإعلاء المبالغ فيه لقيمة العقل: فيضع أتباع تلك المدرسة العقل في مكانة تتجاوز الحد الشرعي للعقل ودوره في فهم نصوص الوحي؛ لذا فهي تتوسع في دائرة الوثوق بالعقل خاصة في مجال العقيدة، ولا ترى بأسًا أو غرابة في تقديم العقل على النقل عند التعارض بينهما حسب مفهومهم وتصوراتهم. وهم دائمًا يحرصون على إبراز عناية الإسلام بالعقل والدعوة إلى إعماله، ليبرروا لأنفسهم عند التعامل مع نصوص الشرع تقديم ما تتقبله عقول الكثيرين منهم على النص، إمَّا برد النص نفسه أو بالتكلف في تأويله وعدم العمل به.

قال محمد عبده في رسالة التوحيد: (ورَفَع القرآن من العقل ووضعه بحيث ينتهي إليه أمر السعادة، والتمييز بين الحق والباطل والضار والنافع).

وقال تلميذه محمد رشيد رضا: (إنَّ الدليل العقلي القطعي إذا جاء في ظاهر الشرع ما يخالفه فالعمل بالدليل القطعي متعين، ولنا في النقل التأويل أو التفويض، وهذه المسألة مذكورة في كتب العقائد التي تدرس في الأزهر وغيره من المدارس الإسلامية في كل الأقطار، كقول الجوهرة:

وكل نص أوهم التشبيها ... أَوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورم تنزيها)

(راجع: "الدولة المدنية بين الاتجاه العقلي الإسلامي المعاصر والاتجاه العلماني: دراسة نقدية" د. ماجد بن علي بن إبراهيم الزميع، ص 63- 64) .

2- المناداة بالاجتهاد في الدين وذم التقليد: الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد أمر لا إشكال فيه، باعتبار الاجتهاد وترك التقليد مخرج للأمة مِمَّا هي فيه من التخلف الحضاري. وقد تبنى أصحاب هذه المدرسة العقلية الحديثة الإسلامية الدعوة إلى الاجتهاد لكن هذه الدعوة رافقها دعوتهم إلى إعادة النظر في بعض العلوم المتعلقة بالنصوص الشرعية خاصة أصول الفقه. وفي الوقت الذي زعموا فيه الاجتهاد فإنَّ أغلبهم مِمَّن ليسوا أهلًا للاجتهاد ولا يمتلكون أدواته، وفيهم من تبين تقصيره الظاهر في بذل كل الوسع المطلوب منه كمجتهد. وفي المقابل هم يتهمون من خالفهم مِمَّن يتمسكون بنصوص الكتاب والسُّنَّة وفهم السلف الصالح وأئمة الأمة المعتبرين لها بكونه من المقلدين لا من المجتهدين مثلهم. لقد تبيَّن من خلال هذه الدعوة أنَّها وسيلة لإعادة تفسير الشريعة بما يمهد لاقتباس ما يرونه صالحًا من الآراء والأفكار الأوروبية.

3- تبني نزعة الدفاع عن الإسلام في مواجهة الغرب: عمد أصحاب المدرسة العقلانية إلى محاولة تقديم صورة للإسلام يردون بها على الشبهات والأباطيل والافتراءات التي يبثها المستشرقون والكُتَّاب الغربيون حول العقيدة الإسلامية وأحكام الشريعة. وهذا أمر محمود، لكن للأسف فقد وقع أصحاب تلك المدرسة بمنهجهم العقلي في مخالفة المنهج الصحيح في الرد على تلك الشبهات والافتراءات، فقدم الكثير منهم صورة مشوهة أو مجتزأة عن العقيدة الإسلامية وأحكام الشريعة طمعًا في قبول الغرب لها، وذلك من خلال نفسية انهزامية منبهرة بما عليه الحضارة الغربية؛ لذا ظهرت من أصحاب تلك المدرسة آراء خطيرة ومواقف وتأويلات بعيدة عن الصواب في قضايا عديدة تتعلق بقضايا المرأة وأحكام الأسرة وحقوق الإنسان وأحكام الجهاد وما يتعلق بمسائل الولاء والبراء في الإسلام.

ورأينا منهم ردًّا لأحاديث صحيحة منها ما هو في الصحيحين "البخاري ومسلم"، وكان منهم الفهم السقيم للكتاب والسُّنَّة بدعوى الاجتهاد في الدين.

4- محاولة تضييق الخناق على الاحتجاج بالنصوص الشرعية: وذلك من خلال دعاوى مغلوطة عديدة، من أبرزها:

- التشكيك في حجية أحاديث الآحاد في مجال العقيدة.

- رد أحاديث صحيحة ثابتة في الصحيحين وغيرهما؛ لكونها مِمَّا لا تقبله عقولهم؛ قال محمد رشيد رضا (مجلة المنار مجلد (29): 104) : (وإنَّ في البخاري أحاديث في أمور العادات والغرائز ليست من أصول الدين، ولا من أركان الإسلام أن يؤمن المسلم بكل حديث رواه البخاري مهما يكن موضوعه) (ينظر: الدولة المدنية، ص 67) .

- الطعن في منهج المحدثين وفي تدوين السُّنَّة النبوية، والدعوة إلى إعمال العقل في نقد متون الأحاديث النبوية.

- المسارعة إلى التأويل للنصوص إذا تعارض ظاهرها مع العقل أو معطيات تلك المدرسة أو اكتشافات العلوم الحديثة.

ففي تأويل أمر قتال الملائكة للكفار في غزوة بدر قال محمد رشيد رضا في تفسير المنار (2/ 561) في قول الله -تعالى-: ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) (الأنفال: 9) : (إنَّ هذا الإمداد روحاني يؤثر في القلوب فيزيد من قوتها المعنوية). وأضاف: (وظاهر نص القرآن أنَّ إنزال الملائكة وإمداد المسلمين بهم فائدته معنوية كما تقدم، وأنَّهم لم يكونوا محاربين).

5- التمادي والتوسع في تطبيق بعض الأصول والقواعد الفقهية في مواجهة النصوص الشرعية لترك الأخذ بها كالتوسع في الأخذ بالمصالح المرسلة أو الاستحسان أو العرف.

الصفحة السابقة الصفحة التالية