شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

من سمات المدرسة الإسلامية العقلية الحديثة

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المراد بالمدرسة العقلية الحديثة: الاتجاه الفكري الذي يعمل على المواءمة بين الإسلام والعلمانية. ويعطي هذا الاتجاه العقل اعتبارًا فوق النصوص الشرعية بعد أن يفترض التصادم -الوهمي- بين العقل والنقل، زاعما التجديد وتفسير الإسلام وفقًا لملابسات وظروف العصر والعلوم الحديثة.

وأصحاب هذا الاتجاه العقلي لهم قدر كبير من التطلع والمتابعة للعلوم الإنسانية لدى الغرب والتأثر بكل تطوراتها. فهم:

- لديهم الأصول العامة للإسلام ولكن وفق منهج انتقائي.

- متأثرون بشدة بالتيارات الفكرية الغربية.

وأصحاب هذا الاتجاه متأثرون بالحركة العقلانية في الغرب، والتي ألغت في أوروبا دور الكنيسة والنصوص والوحي وقطعت علاقتها بها إذ رأت فيها المعوق لإنتاج الحركة العقلية.

ونظرًا لارتباط أصحاب المدرسة العقلية بالإسلام فهم لا يجهرون بما جهرت به الحركة العقلانية في أوروبا، لكن يأخذون بنهج يقوم على الالتفاف حول النصوص. وهذه العقلانية التي يعمل بمقتضاها هي العقلانية الغربية المتحررة من ضوابط أي نقل ديني.

ونظرًا لتأثر أصحاب تلك المدرسة العقلية بمفاهيم الغرب الفكرية وشعورهم بفوقيتها فهم يتعاملون مع قضاياه على أنَّها هي الصواب، ثُمَّ يتجهون للبحث عن شبيهها في الإسلام ولو بكثير من الالتفاف على النصوص الشرعية.

والمتتبع لأفكار وآراء هذه المدرسة العقلية المعاصرة يجد أنَّها تُعَدُّ امتدادًا للتيارات العقلية الأولى في التاريخ الإسلامي، وعلى نهج الفرق الضالة التي نشأت قديمًا في التاريخ الإسلامي والتي تتبنى تقديم العقل على النقل كالمعتزلة والمتكلمين وأتباع الفلاسفة ومن على شاكلتهم.

والمتأمل لأصحاب هذه المدرسة يذهب به العجب منهم مذاهبه، فكلما قذف الغرب إلينا بمصطلح جديد أو مفهوم حادث، سارع هؤلاء إلى تلقيه بالعناية والقبول، واهتموا بإظهاره وإبرازه، بل ربما بذلوا جهدهم في إسباغ الشرعية عليه بالبحث بين ثنايا النصوص الشرعية عمَّا يؤيده، وفي مراجعة التاريخ الإسلامي لإيجاد ما يسانده، وكأنَّ همهم الوحيد هو تبريره وإضفاء الشرعية عليه وليس فرزه وتمحيصه قبل القبول به.

ويُعَدُّ رائد هذا الاتجاه العقلاني في العصر الحديث: الشيخ "محمد عبده" وتلاميذه في المجالات المختلفة، ثُمَّ أتباعهم من بعدهم مِمَّن أخذوا وتأثروا بنهجهم وطوروه.

الشيخ محمد عبده:

وُلِد في عام 1849م، وتعلم في الأزهر وتخرج منه. تتلمذ في أول حياته على جمال الدين الأفغاني وتأثر به كثيرًا، وعن طريقه شارك في التنظيمات السرية وانتسب إلى الماسونية، أيَّد الثورة العرابية، ونُفِي بعد هزيمة عرابي إلى الشام (بيروت)، ثُمَّ لحق بشيخه الأفغاني في باريس، واشترك معه في إصدار جريدة (العروة الوثقى) باللغة العربية من هناك. لمَّا عاد إلى مصر تخلى عن المنهج الثوري وتبنى الإصلاح عن طريق التعليم.

تأثر محمد عبده بالمعتزلة في كتاباتهم وسعى إلى التوفيق (التلفيق) بين الحضارة الغربية التي انبهر بها وبين الإسلام، فكان رائد المدرسة العقلية الإسلامية الحديثة، وله آراء وفتاوى ظلت محل جدل ونقاش، وتأثر به تلاميذ كثيرون. وله مؤلفات عديدة؛ من أشهرها: رسالة التوحيد. توفي في عام 1905م.

ولا بد هنا من التفريق في التعامل بين أصحاب الاتجاه العلماني وأصحاب التوجه العقلي الإسلامي الحديث، فإنهم وإن اتفقوا مع العلمانيين في بعض القضايا؛ إلا أن أصحاب العقل الإسلامي المعاصر ينتمون إلى الإسلام في الجملة ولا يناهضونه، وكثير منهم لديه دعوة وجهاد، ويغلب عليهم الحماس في الدفاع عن بعض قضايا الإسلام في مواجهة العلمانيين والغربيين، ولهم جهود مشكورة في هذا الجانب؛ لذا فإنه لا يصح ربطهم أو مقارنتهم بالتيار العلماني المعاصر الذي أُشْرِب الليبرالية الغربية في توجهاته وكتاباته.

ونظرًا لأنَّه لا توجد منهجية واضحة محددة الأطر للاتجاه العقلي، بل قد نجد لبعضهم رأيًا في قضية من القضايا أو رأيًا في مسألة لا نجده عند غيره، وربما قرر بعضهم رأيًا معينًا في موضع ثُمَّ نجد منه في موضع آخر ما يناقضه من وجه آخر لذا فمن المناسب أن يكون الحديث عن منهج أصحاب الاتجاه العقلي مُنْصَبًّا على سماتهم العامة.

ومن باب الإنصاف الذي يقتضيه البحث العلمي والأمانة العلمية، فإنَّنا يمكننا تقسيم أصحاب الاتجاه العقلي الإسلامي المعاصر إلى ثلاث فئات، وذلك بحسب مواقفهم من القضايا المطروحة، وآرائهم في المسائل العلمية والشرعية.

(وهذه الفئات الثلاث على النحو التالي:

الفئة الأولى: أصحاب التوجه الشرعي: وهم الفئة التي لها عناية بالعلم الشرعي المتعلق بنصوص القرآن والسُّنَّة، وما يتفرع عنهما، والذين ظهرت آثار هذا العلم على كتاباتهم ومؤلفاتهم على وجه العموم، وإن كانت النزعة العقلية لا تفارقهم في طريقة تعاملهم مع هذه النصوص. ويمثل هذه الفئة مجموعة من الأعلام البارزين، وعلى رأسهم: يوسف القرضاوي، ومحمد عمارة، وغيرهما. وهؤلاء بالطبع ليسوا في مرتبة واحدة.

الفئة الثانية: أصحاب التوجه الفكري: وهم الفئة التي يغلب على كتاباتها ومؤلفاتها الجانب الفكري، وإن لم تنقطع عن الجانب الشرعي، والتي تتناول قضايا الفكر والثقافة العامة أكثر مِمَّا تتناول المسائل الشرعية التفصيلية في العقيدة والشريعة. ومن أمثلة تلك الفئة: فهمي هويدي، وراشد الغنوشي، وطه جابر العلواني. وهم أيضًا ليسوا في مرتبة واحدة.

الفئة الثالثة: أصحاب التوجه السياسي: وهم وإن كان لهم شيء في الجوانب الفكرية والشرعية، لكنه ليس هو الأساس في إنتاجهم، بل ينصب اهتمامهم على القضايا السياسية المعاصرة؛ سيما ما يتعلق بمقارعة خصومهم من العلمانيين والغربيين وأمثالهم، وإن كان لهم تأثر ببعض أطروحات العلمانيين. ومن أمثلة هؤلاء: حسن الترابي، وجمال البنا، وجودت سعيد. وهم أيضًا ليسوا في مرتبة واحدة).

الصفحة التالية