شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

معالم على طريق الدعوة (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • مع الدعاة

إذا كان الأمر كذلك، وكانت هناك شدة ومحنة، وإذا كان هناك أعداء في كل مكان في العالم لكل مظهر وجوهر إسلامي؛ فإن محاولة أعداء الإسلام نشر الفساد في العقول والقلوب، ونشر الشهوات والشبهات، ونشر الأكاذيب والأباطيل في تشويه صورة الإسلام والمسلمين بأنواع من الافتراءات والضلالات التي ينشرونها؛ فإن كل ذلك إنما يصب في مصلحة المسلمين إذا أدوا واجبهم.

لكن ما هو واجب الوقت الذي نحن فيه؟

أولاً: لا شك أن استشعار الإنسان بأن المسلمين في أزمة، وأنهم في شدة وضيق يجعله يستنفر الطاقات الموجودة في نفسه، وذلك أن تصرف الإنسان الذي يشعر أنه على سريره مستريح، ليس كتصرف الذي يشعر أن السفينة توشك أن تغرق، وأن هناك خطرًا جاثمًا، وأن بيْن الغرق والنجاة لحظات معدودة، فإذا استطعت أن تدرك قارب النجاة وإلا أدركك الغرق.

الخطر كبير وجاثم على النفوس، والفرق بين النجاة وبين الهلاك لحظات تبذل فيها كل طاقتك وجهدك وإلا جاءتك الأمواج العاتية، أمواج الفتن والضلالات، أمواج الحصار التي تحاصر المسلمين من كل جانب؛ لذلك أقول: إن المهمة الأولى أن نشعر أننا فعلاً في أزمة، وأن هذه الأزمة تقتضي منا بذل غاية الجهد، ليس بعضه، بل لا بد أن نبذل كل ما عندنا بالكامل؛ فالأمر خطير جد خطير.

ثانيًا: نحتاج إلى اتصالٍ بالله -عز وجل-، ولجوءٍ إليه بأنواع العبادات من صلاة وقيام، وصيام، ونفقة وصدقة، وحج وعمرة.

والشعور أننا في أزمة هو الذي يجعلنا ندعو دعاء المضطر: ( أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ ) (النمل:62) .

وتأمل هذا الترتيب العجيب: الاستخلاف في الأرض آخر الأمر، وبدايته الاضطرار ( أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ )، فالمرحلة الأولى الابتلاء، والمرحلة الثانية كشف السوء، والمرحلة الثالثة أن يجعل الله المسلمين خلفاء الأرض.

ولن تشعر بذلك بالفعل إلا إذا كنتَ مهتمًا بقضايا الإسلام والمسلمين، مستشعرًا لأهمية إعلاء دين الله -عز وجل- في الأرض، مشاركًا في العمل الإسلامي؛ لأن المتفرج مهما بلغت عاطفته ومهما بلغ من كونه مشجعًا، لن يكون كمن يدخل في المعركة بالفعل، فالمشاهِد لأي معركة من المعارك قد يدق قلبه، لكن لن يكون حاله كحال الجندي الذي يكون الرصاص والقذائف عن يمينه وعن شماله، ومِن فوق رأسه ومن تحته.

الموقف إذن يحتاج أن يكون كل واحد منا جنديًّا للإسلام في المعركة؛ فنشعر أننا فعلاً مضطرون إلى الله، وأننا لا نلجأ إلا لله، وأنه لا يوجد أحد لنا في هذه الدنيا إلا الله -سبحانه وتعالى-، الدنيا ليست لنا؛ الدنيا كلها علينا، ولكن لنا الله -عز وجل-: ( وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا ) (النساء:45) ، وقال -تعالى-: ( وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ) (الفرقان:31) ، وكفى به -سبحانه وتعالى- ناصرًا لدينه ووليًّا للمؤمنين.

إذا شعرنا بالاضطرار لجأنا إلى الله؛ فأقمنا الصلاة، وصلينا كثيرًا، وصمنا كثيرًا، ودعونا الله كثيرًا؛ لعل الله -عز وجل- يجعل في دعوة المضطر المبتلى المظلوم منا فرجًا جميلاً بإذنه -سبحانه وتعالى-.

والمسلمون جميعًا قد ظـُلِموا، ودرجات الظلم متفاوتة، فهم مضطهدون مِن أجل إسلامهم وطاعتهم والتزامهم بدين الله -عز وجل- مهما كانت الأسباب المُدَّعاة من قِبَل أعدائهم تسويغًا لاضطهادهم.

فالأمر مفهوم جيدًا؛ فحين يقول الأعداء: المسلمون يستحقون ما يجري لهم مِن قتل وتعذيب وسجن واحتلال لبلادهم لأنهم هم الذين قتلوا وسفكوا الدماء وأرهبوا الآمنين؛ فلنعلم أن كل هذه سحب دخان يطلقها الأعداء من أجل تشويه الصورة، وإبعاد الناس وتخويفهم مِن الالتزام بدين الله -سبحانه وتعالى-.

المعلم الثاني: الفقه الدعوي:

الأمر الثاني الذي لا بد منه في هذه المرحلة هو الفهم الصحيح لفقه الدعوة التي نسير فيها إلى الله -عز وجل-، وهذا يقتضي منا معرفة بمعاني الإسلام والإيمان والإحسان، والعلم بأنها لا تقبل تنازلاً ولا كتمانًا ولا تأخيرًا في البيان.

نعم تتعدد الوسائل، لكن المبادئ لا تختلف. نعم قد نعجز عن وسيلة في وقت معين، لكن نستطيع إيجاد وسيلة غيرها، وهذا يجعلنا ثابتين على مبادئنا، ولا نكون كالذين يغيرون مبادئهم وعقائدهم كما يغيرون ألوان ثيابهم، وكما تغير الحرباء لونها!

الحق عندنا لا يختلف بفضل الله -تبارك وتعالى-، وإن كانت الفتوى تتغير مِن وقت إلى وقت، قد تتسع أو تضيق لأمور معينة، فهذا أمر لا شك فيه، وهذا الفهم إنما يحصل بالعلم النافع بكثرة تلاوة كتاب الله وتفسيره، وبكثرة تلاوة سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودراستها، وبمعرفة التوحيد والإيمان وأحكام الفقه، وخصوصًا فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا بد لنا مِن هذه المعاني وعلى الدوام، وألا نكون مجرد متعاطفين مع الالتزام، نريد أن نكون فاهمين فعلاً لمعاني الالتزام ومطبقين لها.

المعلم الثالث: تحقيق الأخوة في الله، ولزوم الجماعة:

وهذا المعلم الثالث مِن أهم المعاني التي نحتاجها في ظروفنا الحالية، وهو أن نكون في البنيان، أن نقترب مِن بعضنا، أن يحب بعضنا بعضًا، أن نتعايش بمعاني الأزمة التي نحن فيها بالفعل، هذه الأزمة التي تجعل الناس كل منهم يسد ثغرة في هذا القارب الذي كثرت الثغرات فيه، ويجتهد في أن يعين إخوانه على طاعة الله -عز وجل- ومرضاته: ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (المائدة:2) .

ليس الابتعاد هو الحل، ليست مواجهة الخطر بأن نقول لا بد أن أؤمن نفسي حاليًا إلى أن تنفرج، تأكد أنها موجات... وأنه لن تكون هناك موجة إلا التي بعدها أشد منها، والعلاج ليس أن تقول: لا بد أن أخرج مِن العمل الدعوي "مِن قارب النجاة في الحقيقة"، إن خروجك من العمل الدعوي هو إلقاء نفسك في البحر، لكن العلاج والمواجهة أن تقول: لا بد أن أعبُر هذا البحر، ولا بد أن نعبره جميعًا، الذي يخرج وييأس ويبتعد سوف يكون أول الغارقين.

الصفحة السابقة الصفحة التالية