معالم على طريق الدعوة (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • مع الدعاة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المَعْلَم الأول: لكل وقتٍ عبودية:
قدَّر الله -عز وجل- على كل إنسان أن يمر في حياته بأحوال مختلفة وظروف متفاوتة، وحال الإنسان مِن بدايته إلى نهايته ليس حالاً واحدًا في كل شيء، فهو يبدأ ضعيفًا عاجزًا جاهلاً، لا يستطيع أن يبطش بيده ولا أن يمشي برجله ولا أن يتكلم بلسانه، لا يستطيع شيئًا إلا البكاء، ثم بعد حين يعرف الابتسام؛ لا يولد مبتسمًا، ولكن يولد باكيًا، وكذلك ينتقل من حال إلى حال، ويتعلم بعد جهل، ويقدر بعد عجز.
خلقنا الله -سبحانه وتعالى- مِن ضعف ثم جعل من بعد ضعفٍ قوة، ثم يجعل الله -سبحانه وتعالى- من بعد قوة ضعفًا وشَيْبة، -سبحانه وتعالى- يخلق ما يشاء.
وكما قدَّر الله ذلك على الأشخاص، قدَّره على المجتمعات والدول وطوائف الناس، و قدَّره على الدعوات أيضًا؛ قال الله -عز وجل-: ( وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) (آل عمران:140) ، وقال -عز وجل-: ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (الأنبياء:35) .
هذا الأمر يجب أن نفهمه فهمًا جيدًا حتى نستعمل في كل وقت عبوديته الخاصة به، وقد أراد -سبحانه وتعالى- بتبديل الأحوال وتغيير الأيام ومداولتها أن يكون لنا من أنواع العبودية في كل وقت وحين، وهذا بلا شك يحتاج إلى فقهٍ عظيم وفرقانٍ يفرَّق به بيْن الحق والباطل، والسنة والبدعة، والهدى والضلال.
إن كثيرًا مِن الناس قد تختلط عليه الأمور، فيقول عن البدعة: إنها الاجتهاد في العبادة، وقد يقول عن الضعف: إنه حكمة وصبر، وعن التهور: إنه شجاعة، وعن الكسل: إنه راحة وسكون! وغير ذلك مِن أشياء كثيرة يسميها بغير اسمها إذا لم يكن عنده الفرقان، وإذا لم يكن عنده فهم للوقت الذي هو فيه، وللابتلاء الذي وُضع فيه.
فلا يزال الإنسان في خلل إذا لم يَعِ ويفهم السبب الذي ابتُلي به؛ ثم بعد ذلك ينظر في واجب الوقت حتى يستعمل وقته وحياته في أداء هذا الواجب، فلا يجعل حياته وأوقاته في غير ما فـُرِض عليه.
ومثال ذلك: مَن يظل الساعات الطويلة يحلم ويتمنى بما يمكن أن يصير إليه بعد حين في أمر ديني أو دنيوي، كالطالب الكسول يظل يتصور نفسه وقد صار مِن الأوائل، ونجح وأصبح من أول المتفوقين وحاز أعلى المناصب، ثم تم تعيينه في وظيفة هامة ثم صار قائدًا -ربما للأمة!-، وهو ما زال متكاسلاً وقد شغلته هذه الأماني لساعات طويلة عما يجب أن يفعله، فالنفس محببة إليها الأماني، وكثيرًا ما تنشغل بها!
ومثله كثيرٌ مِن الدعاة أو ممن ينتسبون إلى الدعوة ويعملون في صفوفها؛ يحلمون بأوقات النصر والتمكين، وأنهم قد فتحوا البلاد وقلوب العباد، وأن الناس قد دخلوا في دين الله أفواجًا مع أن كثيرًا منهم لم يحَصِّل الأسباب التي بها يصل المسلمون إلى ذلك، ويظل يحلم ويتمنى وربما أدى ذلك إلى أن يُضيِّع واجب الوقت الذي هو فيه!
وهذا سبب مشهور ومشاهد في كثير من الأحوال أدى بكثير مِن الدعوات إلى أن تبتعد عن طريقها ولا تصل إلى غايتها؛ لأنها تستعمل في وقتٍ ما واجبَ وقتٍ آخر وهي تعجز عنه، وبالتالي يتحول الواجب إلى مجرد أمنية أو خيال، وأحيانًا يصطدم الإنسان بالواقع فلا يجد إلا الأرض الصخرية التي لا يزال واقفًا عليها دون أن يرتفع شيء من البناء، فيصاب بالإحباط واليأس، والحزن والعجز، وربما جرح هذا الصخر رأسه وهو يحاول كسره بها دون أدوات، وهذا أمر خطير للغاية، ويفتح بابًا عظيمًا للشيطان.
فلا بد أن نعرف واجب الوقت الذي نحن فيه، وأن نعلم أن الابتلاء أنواع وأحوال مختلفة؛ فهناك ابتلاء بالشر وابتلاء بالخير ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) (الأنبياء:35) ، وهناك ابتلاء بالسراء وابتلاء بالضراء، وهناك ابتلاء بالاستضعاف وابتلاء بالتمكين؛ فلا بد أن نعلم في أي وقت نحن؟ وفي أي مرحلة؟ وما المطلوب منا في هذه المرحلة؟
ولا شك أن الناظر في أحوال المسلمين في العالم كله يتأكد له أن المسلمين في أزمة، ولا أقول إن الإسلام في أزمة؛ فإن الله -عز وجل- ناصر دينه بنا أو بغيرنا، الله -عز وجل- هو الذي وعد بظهور الإسلام: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة:33) ، ولكن أحوال المسلمين في العالم كله في أزمة، والعدو قد أحاط -فيما يبدو- بهم من كل الجوانب إلا مِن فوقهم؛ فإن رحمة الله -عز وجل- تنزل عليهم من فوقهم.
ورغم التفاوت الهائل في موازين القوة المادية بين العدو وبين المسلمين، ورغم اختلاف المسلمين وتفرقهم؛ فإن الأعداء يعتبرون الإسلام هو العدو الإستراتيجي الأول لكل الطوائف والملل في كل مكان تقريبًا، وخصوصًا في منطقة نشأة الإسلام بما يسمونه الشرق الأوسط -وهو مركز المسلمين- في العالم، برغم أن الإسلام هو أعظم ناصح للبشرية كلها!
وأنواع المكر والخطط لا تخفى اليوم بعد أن كانت تخفى في الزمن الماضي؛ فبعد أن كانت أسرارًا تُعقد في مؤتمرات سرية؛ أصبحت تُعلن على صفحات الجرائد.
وعلى رأس هؤلاء الماكرين جميعًا -والمحرك الحقيقي لهم- "اليهود"؛ أشد الناس عداوة للمسلمين كما وصفهم الله -عز وجل-: ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ) (المائدة:82) ، وقد دخل في الذين أشركوا الذين قالوا: "إن الله ثالث ثلاثة!"، وقالوا: "إن الله هو المسيح ابن مريم!"، والذين كذبوا الرسول -صلى الله عليه وسلم- والقرآن.
فلا بد أن نتوقع مزيدًا من الأزمات والضغوط، ومزيدًا من ضيق الطريق وظلمته "يضيق فيما يبدو للناس من صنع الأعداء"، والدنيا تظلم -فيما يبدو للناس- مِن مكرهم، ولكن الحقيقة أن الله -عز وجل- هو الذي آتاهم أموالاً وزينة في الحياة الدنيا ليضلوا عن سبيله، لتظلم الدنيا مدة ثم يرى الناس بعد ذلك النور، ولكي لا يمر من الطريق إلا مَن يصلح، إلا مَن يتحمل الضيق وقت المحنة، وسوف يتسع الطريق، وسوف تستنير الدنيا قطعًا بإذن الله -تبارك وتعالى-.
