الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (32) اسما الله (الحَكَم، الحَاكِم) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرُّف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد، قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) ، وقال: ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) (الإسراء: 110) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (رواه البخاري ومسلم) .
الوقفة الأولى: مواضع ورود اسمه -تعالى- (الْحَكَم، الْحَاكِم) ومعناه:
- وَرَد اسم الله -سبحانه- (الْحَكَم) في القرآن الكريم مرة واحدة وذلك في قوله -تعالى-: ( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا ) (الأنعام: 114) .
وورد في السُّنَّة، فعن هانئ بن يزيد -رضي الله عنه- أنَّه وَفَدَ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع قومه، فسمعهم يُكَنُّونَه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ؟ ). فقال: إنَّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين بحكمي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ ) قال قلت: شريح، ومسلم، وعبد الله، قال: ( فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ ) قال قلت: شريح، قال: ( فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).
- وأمَّا (الْحَاكِم)، فقد ورد في القرآن خمس مرات بصيغة التفضيل؛ منها: قوله -تعالى-: ( فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ) (الأعراف: 87) ، وقوله -تعالى-: ( وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ) (هود: 45) ، وقوله -تعالى-: ( وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ) (يونس: 109) .
- معنى (الْحَكَم، الْحَاكِم) لغةً وشرعًا: قال الزجاج -رحمه الله-: "والحَكَم والحَاكِم بمعنى واحد، وأصل: (ح ك م) في الكلام: المنع، وسُمِّي الْحَاكِم حَاكِمًا؛ لأنََّه يمنع الخصمين من التظالم وحَكَمَةُ الدابة سُمِّيَت حَكَمَةً؛ لأنها تمنعها من الجماح" (تفسير الأسماء) . وقال الراغب الأصفهاني -رحمه الله-: "ويقال: حَاكِم وحُكَّام لمن يحكم بين الناس، قال الله -تعالى-: ( وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ) (البقرة: 188) ، والْحَكَم: المتخصص بذلك، فهو أبلغ، وقال الله -تعالى-: ( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا )" (المفردات) .
وقال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "ومن أسمائه الْحَكَم العدل الذي يحكم بين عباده في الدنيا، والآخرة بعدله، وقسطه، فلا يظلم مثقال ذرة، ولا يُحَمِّل أحدًا وزر أحد، ولا يجازي العبد بأكثر من ذنبه، ويؤدي الحقوق إلى أهلها، فلا يدع صاحب حق إلَّا وصل إليه حقه" (الحق الواضح المبين، ص 80) (1) .
الوقفة الثانية: أنواع حكم (الْحَكَم، الْحَاكِم) -سبحانه-:
النوع الأول: الحكم الكوني القدري:
- فالحَكَم -سبحانه وتعالى- يجعل هذا عقيمًا وذاك ذا ولد، ويجعل هذا وسيمًا، وذاك دميمًا، هذا الإنسان ساق إليه بعض الشدائد، وآخر ساق إليه بعض الخير، فكل ذلك ليس للإنسان فيه قدرة ولا اختيار، وإنَّما اختاره الْحَكَم -سبحانه- وحكم به، وهو واقع لا محالة لحكم يريدها (الحَكَم، الحَاكِم) -سبحانه-؛ قال -تعالى-: ( وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (الرعد: 41) .
- تأمل في حكمه القدري لترى عظيم حكمته فيما يظهر لك فقط، وما خفي علينا أكثر (إشارة مختصرة إلى قصة يوسف -عليه السلام-: بغض الإخوة وحسدهم له - إلقاؤه في البئر المهلك - بيعه رقيقًا بثمن بخس - فتنة امرأة العزيز - محنة السجن بضع سنين - ثُمَّ: منام الملك! لنيل السلطان والملك، ودعوة الناس إلى الحق، واجتماع الشمل)، ( وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ) (يوسف: 100) .
النوع الثاني: الحكم الديني الشرعي التكليفي:
- وهذا الذي أرسل الله به الرسل وأنزل معهم الكتب، فحكم بوجوب هذا وحرمة ذاك، هذا حكم تكليفي يُؤَاخَذ به الإنسان، وهذا من حقه أن يُتَلَقَّى بالتسليم، وترك المنازعة بل بالانقياد والإذعان والقبول: قال -تعالى-: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا ) (الأحزاب: 36) ، وقال -تعالى-: ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء: 65) .
