شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

ردود العلماء على شذوذ الدكتور

أحمد الشريف • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

فقد انتشر مقطع للدكتور "سعد الدين الهلالي" يقول فيه: إن لبس الذهب للرجال فيه رأيان، وإن سبعة من الصحابة كانوا يلبسونه، وإن الإمام أبا حنيفة -رحمه الله- يرى أنه لا يوجد ما يمنع الرجال من ارتداء الذهب!

وهذه الدعوى باطلة، مخالفة لما استقر عليه قول أئمة المذاهب، وما نُقِل من الإجماع في المسألة، وتحتاج إلى تحرير علمي دقيق، والرجوع إلى نصوص السنة الصحيحة، وإلى كلام أئمة الفقه والحديث، قبل إطلاق القول بوجود خلاف معتبر في مسألة استقر حكمها عند جماهير أهل العلم.

أولًا: نص دعوى الدكتور سعد الدين الهلالي:

"يوجد رأيان في لبس الرجال الذهب؛ لأن سبعة من الصحابة كانوا يرتدون خاتمًا من الذهب، والبراء بن عازب -رضي الله عنه- قال في حديث: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ألبسه خاتمًا من ذهب، وأبو حنيفة -رحمه الله- يرى أنه ليس هناك ما يمنع ارتداء الرجال الذهب".

وهذه الدعوى لا تصح بهذا الإطلاق؛ إذ لا بد من بيان السُّنة الصحيحة، ومذاهب الأئمة الأربعة، وحقيقة الروايات التي اسْتُدِلَّ بها على الإباحة، وبيان درجة كل رواية، وما قاله أهل العلم فيها.

ثانيًا: الأصل الثابت في السنة: تحريم ذهب الرجال:

1- حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي ) (رواه أبو داود برقم 4057، والنسائي برقم 5144، وأحمد برقم 935، وابن ماجه برقم 3595) ، وقد حسنه وصححه جماعة من أهل العلم.

وجه الدلالة: النص صريح في تحريم الذهب على ذكور الأمة، مع إباحته للإناث.

2- حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَأُحِلَّ لِإِنَاثِهِمْ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

وجه الدلالة: الحديث يدل صراحة على اختصاص التحريم بالرجال، والإباحة بالنساء.

3- حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يلبس خاتمًا من ذهب، فنبذه وقال: ( لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا )، فنبذ الناس خواتيمهم. (رواه البخاري ومسلم) .

وجه الدلالة: هذا الحديث من أوضح الأحاديث في انتقال الحكم من الإباحة الأولى إلى النهي والتحريم؛ فقد ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- خاتم الذهب، وأعلن أنه لا يلبسه أبدًا، وتبعه الصحابة -رضي الله عنهم-. وهذا هو الحديث الناسخ لما كان من الإباحة الأولى؛ إذ جاء النهي بعد الإذن، واستقر الحكم على التحريم.

4- حديث البراء بن عازب -رضي الله عنه-: قال -رضي الله عنه-: "أَمَرَنَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ... وَنَهَانَا عَنْ آنِيَةِ الْفِضَّةِ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ..." (رواه البخاري ومسلم) .

وجه الدلالة: هذا حديث صحيح ثابت في الصحيحين، وهو نص صريح في النهي عن خاتم الذهب للرجال.

ثالثًا: روايات الإباحة وخاصة رواية البراء، والجواب عنها:

وهنا ينبغي التنبيه أولًا إلى أن الرواية التي يُسْتَدَلّ بها على إباحة الذهب للبراء -رضي الله عنه-، وفيها أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: "الْبَسْ مَا كَسَاكَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" ليست في الصحيحين، وإنما أخرجها الإمام أحمد -رحمه الله- في «المسند» برقم 18602، وأبو يعلى -رحمه الله- برقم 1708.

وقد حكم عليها الذهبي -رحمه الله- بأنها منكرة، كما حكم عليها الألباني -رحمه الله- بالنكارة في «السلسلة الضعيفة» رقم: (6610)، وكذلك ذكر شعيب الأرناؤوط -رحمه الله- أن إسنادها ضعيف، وفي متنها نكارة.

وعليه؛ فلا يصح جعل هذه الرواية الضعيفة، التي حكم عليها بعض أهل الحديث بالضعف والنكارة، أساسًا لإثبات حكم عام يعارض الأحاديث الصحيحة الثابتة في النهي عن ذهب الرجال.

ومع ذلك، فلو فُرِض صحة الرواية، فقد أجاب أهل العلم عنها بأجوبة:

1- القول بالنسخ:

نقل ابن حجر -رحمه الله- عن الحازمي -رحمه الله- في «فتح الباري» قوله في رواية البراء:

"إسناده ليس بذاك، ولو صح فهو منسوخ". وعلى هذا القول: فلو صحت رواية الإباحة، فهي متقدمة، ثم جاء النهي بعد ذلك، فنسخ الحكم الأول، واستقر الأمر على تحريم الذهب على الرجال، وهذا هو جواب النسخ الذي ذكره أهل العلم في هذه الرواية.

2- القول بالخصوصية:

ذهب بعض أهل العلم إلى احتمال أن يكون ذلك خاصًّا بالبراء -رضي الله عنه-، بسبب قوله -صلى الله عليه وسلم- له في الرواية: "الْبَسْ مَا كَسَاكَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ".

3- أن حديث النهي أصح وأثبت:

فحديث النهي عن خاتم الذهب ثابت في الصحيحين، بينما الرواية التي يُسْتَدَلّ بها على الإباحة قد تكلم أهل الحديث في إسنادها ومتنها، وحكم بعضهم عليها بالضعف والنكارة، وعليه، فلا يصح تقديم رواية ضعيفة أو منكرة على حديث صحيح ثابت في الصحيحين.

رابعًا: ما نُقِل عن بعض الصحابة من لبس الذهب:

قد نُقِلَت آثار عن بعض الصحابة في لبس خاتم الذهب، ومنهم البراء بن عازب -رضي الله عنه- وغيره، لكن هذه الآثار لا تصلح لمعارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي، ولا سيما مع احتمال تقدم بعض تلك الآثار على استقرار الحكم، أو عدم بلوغ النهي إلى بعض من نُقِل عنه ذلك، أو حَمْل الرواية على وجه خاص.

وعلى فرض صحة بعض تلك الآثار، فإنها لا تعارض النصوص الصحيحة الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا ما استقر عليه قول أئمة المذاهب.

والقاعدة أن فعل الصحابي لا يُقَدَّم على النص النبوي الصحيح الصريح.

خامسًا: نصوص أئمة المذاهب الأربعة في تحريم خاتم الذهب للرجل:

1- المذهب الحنفي: جاء في «الهداية» للمرغيناني -رحمه الله-: "خاتم الذهب للرجال حرام" (الهداية شرح البداية، 4/ 82).

كما أن كتب الحنفية تفصِّل في بعض صور الذهب اليسير، أو التابع، أو المموه، وهذا لا يعني إباحة خاتم الذهب المستقل للرجل.

2- المذهب المالكي: جاء في «حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني» تقرير تحريم تختم الرجل بالذهب. (حاشية العدوي، 2/ 448). كما نقلت كتب الفقه المالكي النهي عن تختم الرجال بالذهب.

الصفحة التالية