ثغرة الدفرسوار طبقًا لمذكرات المشير الجمسي (1-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
يُعَدُّ المشير الجمسي هو الرجل الثالث المسؤول في الجيش المصري في حرب السادس من أكتوبر 1973م (العاشر من رمضان 1393هـ)؛ إذ كان يشغل منصب رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة. وقد تناول الجمسي في مذكراته عن حرب أكتوبر قصة ثغرة الدفرسوار، وهي الثغرة التي بالغت إسرائيل في التهويل من شأنها كانتصار لها في الحرب، وعلى منوالها سار الإعلام الغربي، بينما لم يتناول الإعلام المصري هذه الثغرة التناول الواجب لبيان حقيقة الثغرة ما لها وما عليها، والذي لا يجعلها في نهاية الأمر على ما صورته إسرائيل والإعلام الغربي. وهنا تُعَدُّ شهادة الجمسي شهادة لها وزنها وأهميتها أمام المتخصصين في كتابة التاريخ.
- تخرَّج المشير محمد عبد الغني الجمسي من الكلية الحربية في نوفمبر عام 1939م، وحصل على إجازة كلية القيادة والأركان عام 1951م، وإجازة أكاديمية ناصر العسكرية العليا عام 1966م، ورُقِّيَ إلى رتبة فريق عام 1973م، ثم إلى رتبة مشير في عام 1980م.
وقد تقلَّد العديد من الوظائف الرئيسية، حيث عُيِّن قائد لواء مدرع عام 1959م، ثم عُيِّن قائد مدرسة المدرعات عام 1961م، ثم رئيسًا لعمليات القوات البرية عام 1966م، ثم رئيسًا لأركان جبهة القناة عام 1967م، ثم رئيسًا لهيئة تدريب القوات المسلحة عام 1973م، ثم رئيسًا لهيئة عمليات القوات المسلحة عام 1972م، ثم رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة عام 1973م، ثم وزيرًا للحربية وقائدًا عامًّا للقوات المسلحة عام 1974م، ثم نائبًا لرئيس الوزراء ووزيرًا للحربية والإنتاج الحربي والقائد العام للقوات المسلحة عام 1975م. بعد ذلك عُيِّن مستشارًا عسكريًّا لرئيس الجمهورية عام 1978م. وفي نوفمبر 1980م أُحِيل للتقاعد بناءً على طلبه. وخلال تلك الفترة شارك في حرب العدوان الثلاثي عام 1956م وحرب يونيو 1967م، إلى جانب دوره في حرب السادس من أكتوبر 1973م.
- وقد عُيِّن رئيسًا للوفد العسكري المصري في مباحثات الكيلو 101 مع إسرائيل، كما تولى رئاسة الوفد العسكري المصري في المفاوضات العسكرية المصرية الإسرائيلية. وقد حصل خلال تاريخه الطويل على 24 نوطًا وميداليةً، ووسامًا من مصر والدول العربية والأجنبية.
حاجة إسرائيل لتحسين صورتها:
لما نجحت القوات المصرية في الفترة من 6 أكتوبر إلى يوم 14 أكتوبر في تحقيق إنجاز تاريخي كبير، اقتحمت خلاله مانع قناة السويس، وأسقطت خط بارليف المنيع، وتصدت لمحاولات القوات الإسرائيلية لصد أو رد القوات المصرية التي عبرت القناة وتوغلت في سيناء بعمق 10 - 12 كيلومترًا، ومع طول مدة الحرب وفَقْد إسرائيل لتوازنها عسكريًّا، وتزايد الخسائر الإسرائيلية يومًا بعد يوم، بدأت القيادات الإسرائيلية تستميت للقيام بمغامرة عسكرية تعيد الثقة لجيشها، خاصة قبل صدور قرار متوقع بوقف القتال من خلال مبادرة تتقدم بها القوتان العُظْمَيَان: أمريكا والاتحاد السوفيتي.
- روى الجمسي في مذكراته: أن أمريكا كان يهمها أن تحقق إسرائيل نجاحًا في معركة من معارك الحرب قبل الشروع في إصدار قرار بوقف إطلاق النار؛ لأن هزيمة إسرائيل تعني هزيمة سياسية لأمريكا في الشرق الأوسط بحسم السلاح السوفيتي لنتيجة هذه الحرب، كما أن نجاح إسرائيل في إحدى المعارك قبل وقف القتال يُعْطِي لأمريكا ورقة للمساومة بها سياسيًّا في أي مفاوضات سياسية عقب الحرب.
- كانت الأسلحة الأمريكية تُنْقَل بصورة عاجلة عبر جسر جوي أمريكي بطائرات نقل عسكرية لتعويض إسرائيل عن خسائرها في المعدات. بدأ الجسر من يوم 14 أكتوبر بعد تقييم خبراء البنتاجون للموقف وبعد الاستطلاع الجوي الأمريكي. وكان هذا يوجب على إسرائيل أن تثبت لأمريكا قدرتها على العمل العسكري بعد هذه المساعدات حفاظًا على دور إسرائيل في خدمة السياسة الأمريكية في المنطقة.
- لما قامت القوات المصرية بتطوير الهجوم في سيناء شرقًا في اتجاه المضايق كانت القوة الرئيسية التي تغيرت أوضاعها هي الفرقة 21 مدرعة (من قطاع الجيش الثاني)، والتي انتقلت من غرب القناة إلى شرق القناة في منطقة الدفرسوار على المحور الأوسط في سيناء استعدادًا للهجوم، بينما تُمُسِّك بالفرقة 23 الميكانيكية ولواء مظلات ومجموعة صاعقة في احتياطي الجيش في الجانب الغربي للقناة. أما الجيش الثالث فقد استخدم لواءً مدرعًا واحدًا من الفرقة 4 المدرعة للاشتراك في تطوير الهجوم، وظلت باقي الفرقة 4 المدرعة في الاحتياطي بالجانب الغربي للقناة؛ إذ لم يكن من الممكن في هذا الهجوم استخدام الألوية المدرعة الأربعة الموزعة التي تقوم بتأمين رؤوس الكباري الخمسة والمحافظة عليها سليمة. كما انتقلت بعض كتائب صواريخ الدفاع الجوي إلى شرق القناة لزيادة مدى وعمق نطاق تدميرها.
وهنا فإن الاستطلاع الجوي الأمريكي الذي نُفِّذ يوم 13 أكتوبر قد رصد الوضع الجديد للفرقة 21 مدرعة خاصة وأوضاع باقي القوات في سيناء. وكان نتيجة وصول نتائج هذا الاستطلاع لإسرائيل أنها استعدت لمواجهة الهجوم المصري فلم يحقق الهدف منه.
بداية سعي العدو لعمل الثغرة:
كان القتال يدور بشدة في جبهة القناة في قطاع الجيش الثاني حتى يوم 15 أكتوبر، ركز فيها العدو الإسرائيلي على ضوء معلوماته ونتائج الاستطلاع الجوي على القيام بهجوم ضد الجانب الأيمن للجيش الثاني حيث منطقة الدفرسوار شرق القناة، لعمل اختراق تصل فيه بعض قواته المدرعة إلى الضفة الغربية للقناة.
