ثغرة الدفرسوار طبقًا لمذكرات المشير الجمسي (2-2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
ونتيجة للعمل السياسي وبناءً على طلب مصر أصدر مجلس الأمن مساء يوم 23 أكتوبر قراره رقم 339 بتأكيد مضمون قراره السابق رقم 338 وحث الأطراف على العودة إلى الخطوط السابقة. ووافقت مصر وإسرائيل على الالتزام به اعتبارًا من الساعة السابعة صباح يوم 24 أكتوبر.
مرة أخرى إسرائيل لا تحترم قرار وقف إطلاق النار الجديد:
رغم الموافقة على القرار 339 رسميًّا تركت إسرائيل لجيشها حرية العمل العسكري على أمل احتلال مدينة السويس وتحقيق هدف عسكري له تأثيره السياسي والإعلامي الكبير.
حاول لواءان من فرقة آدان المدرعة اقتحام مدينة السويس من الشمال ومن الغرب بعد قصف المدينة بالمدفعية والطيران مدة طويلة لتحطيم الروح المعنوية للمقاتلين داخل المدينة. دارت معركة السويس من يوم 24 أكتوبر بمقاومة شعبية من أبناء السويس مع قوة عسكرية من الفرقة 19 مشاة داخل المدينة. دار القتال في بعض الشوارع وداخل المباني. وأمكن بجهود رجال السويس ورجال الشرطة والسلطة المدنية مع القوة العسكرية المحدودة هزيمة قوات العدو التي تمكنت من دخول المدينة، وكبدتها الكثير من الخسائر بين قتلى وجرحى. وفشلت الدبابات الإسرائيلية في الاستيلاء على المدينة، واضطرت القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب من المدينة وتمركزت خارجها.
استمرت إسرائيل في عدم احترام قرار مجلس الأمن رقم 339 وتقدمت قواتها إلى ميناء الأدبية جنوب السويس واستولت عليه. وتمكنت القوات الإسرائيلية من قطع طريق مصر السويس الصحراوي الذي أصبح الورقة التي تستغلها أمريكا سياسيًّا بعد الحرب مباشرة. كان من الضروري على القيادة الإسرائيلية أن تؤمن قواتها الموجودة في قطاع محدود من الأرض وذلك بالانتشار والاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، واستتبع ذلك الدفع بقوات أكبر إلى غرب القناة.
توقف القتال:
أصدر مجلس الأمن قراره رقم 340 مساء يوم 25 أكتوبر بناءً على مشروع تقدمت به دول عدم الانحياز. وقضى القرار بإنشاء قوة طوارئ دولية لمراقبة تنفيذ إيقاف القتال، والتأكيد على قراره بعودة القوات إلى خطوط وقف إطلاق النار يوم 22 أكتوبر. وبجهود سياسية تمت موافقة مصر وإسرائيل على إجراء مباحثات لتثبيت وقف إطلاق النار وإجراء الإمدادات لقوات الجيش الثالث. وتمت تحت إشراف الأمم المتحدة مباحثات عسكرية عند الكيلو 101 على طريق مصر السويس لمناقشة الاعتبارات العسكرية لتطبيق قراري مجلس الأمن 338 و339 والسماح بمرور قوافل عربات تحمل إمدادات غير عسكرية إلى الجيش الثالث. وبدأت المباحثات بين الوفدين المصري والإسرائيلي في صباح يوم 28 أكتوبر.
وبذلك توقف القتال يوم 28 أكتوبر.
الموقف عند انتهاء القتال:
كان الجيشان الثاني والثالث في سيناء في أوضاع عسكرية سليمة، ولديهما من الأسلحة والمعدات ما يعطيهما القدرة على القتال طويلًا. وكانت القوات الإسرائيلية في سيناء تقف دون تأثير في مواجهة قوات الجيشين.
وفي غرب القناة كانت القوات المصرية تحتوي القوات الإسرائيلية. وقد تمكنت القوات الإسرائيلية من قطع طريق مصر السويس الصحراوي، وهو الطريق الرئيسي لإمداد مدينة السويس وقوات الجيش الثالث الموجودة في سيناء شرق القناة.
بدأت عملية استنزاف القوات الإسرائيلية غرب القناة التي اتخذت أوضاعًا دفاعية في انتظار الهجمات المصرية من أي مكان أو اتجاه وفي أي وقت، خاصة مع توقع أن يتم القتال بمعرفة القوات المصرية لفتح طريق مصر السويس. كانت القوات الإسرائيلية تتعرض لخسائر تتزايد ولإخلاء للخسائر لا ينقطع، مع عدم القدرة على تحقيق أي هدف آخر، فلا تتمكن من العودة إلى شرق القناة، ولا تتمكن من تحقيق نجاح آخر غرب القناة. كان الإمداد لهذه القوات الإسرائيلية يتم من ثغرة الدفرسوار وعرضها حوالي سبعة كيلومترات أو يتم الإمداد بالطائرات.
ركزت وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية على نجاح الجيش الإسرائيلي في عمل ثغرة الدفرسوار لإبراز نجاح إسرائيل في معركة الدفرسوار وفي قتالها غرب القناة، وكان من الواجب على مصر أن تقوم بحملة مضادة توضح حقائق الموقف المصري والموقف الإسرائيلي وإيجابيات وسلبيات كل منهما.
الموقف العسكري الضعيف للقوات الإسرائيلية في الثغرة:
أصبح لإسرائيل قوات كبيرة (حوالي 6 إلى 7 ألوية) موجودة في منطقة محدودة من الأرض، ومحاطة من جميع الجهات إما بموانع طبيعية أو صناعية أو بقوات مصرية.
تعاني القوات الإسرائيلية غرب القناة من مصاعب الإمداد والإخلاء وطول خطوط المواصلات، مع الاستنزاف اليومي للأفراد والمعدات.
اضطرار القيادة الإسرائيلية إلى تخصيص قوات بنحو (4 إلى 5 ألوية) لحماية المداخل إلى الثغرة عند الدفرسوار. ولتثبيت رؤوس الكباري المصرية الموجودة في سيناء خصصت القيادة الإسرائيلية عشرة ألوية في مواجهة رؤوس كباري الجيشين الثاني والثالث مع احتفاظ بالاحتياطي الإستراتيجي في أقصى درجات التعبئة. وهكذا كانت إسرائيل مضطرة للاحتفاظ بكل قواتها المسلحة لمدة طويلة إلى انتهاء حالة الحرب تمامًا، لأن توقف القتال ليس معناه انتهاء الحرب. وهذا أمر لا يتحمله اقتصاد إسرائيل القومي.
مارست القوات المصرية غرب القناة حرب استنزاف ضد القوات الإسرائيلية حتى لا تُعْطِي تلك القوات الفرصة لتثبيت أقدامها في مواقع دفاعية، وكذا لتكبيدها أكبر خسائر ممكنة في الأفراد والمعدات إلى أن يحين الوقت المناسب لمهاجمتها وتصفيتها. وقد وقع 452 اشتباكًا بالنيران منذ إيقاف إطلاق النار طبقًا للقرار 340 وحتى توقيع اتفاقية فض الاشتباك الأول بين مصر وإسرائيل في 18 يناير 1974م.
وهكذا تحولت القوات الإسرائيلية الموجودة غرب القناة من سلاح للضغط على مصر إلى رهينة تضغط بها مصر على إسرائيل، ومصدر استنزاف لأرواح ومعدات واقتصاد إسرائيل. وجاء الاتفاق المصري الإسرائيلي للفصل بين القوات وطلب إسرائيل في النهاية ترك الثغرة وسحب قواتها شرقًا بعيدًا عن القناة، لتتأكد بذلك حقيقة ثغرة الدفرسوار، وأنها في النهاية لم تحقق لإسرائيل ما كانت تسعى إليه.
للاستزادة حول ثغرة الدفرسوار راجع:
- مذكرات حرب أكتوبر للجمسي.
- مذكرات حرب أكتوبر للشاذلي.
- مذكرات حرب أكتوبر لموشى دايان.
