ثغرة الدفرسوار طبقًا لمذكرات المشير الجمسي (2-2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
توجه الفريق الشاذلي إلى قيادة الجيش الثاني بعد ظهر يوم 18 أكتوبر، وبعد أن ألمَّ بالموقف تمامًا عاد مساء يوم 20 أكتوبر بالرأي الذي يراه لمواجهة تهديد العدو الموجود في غرب القناة- حيث رأى ضرورة سحب أربعة ألوية مدرعة من شرق القناة إلى الغرب خلال 24 ساعة للدخول في معركة ضد قوات العدو غرب القناة، وأن ذلك من وجهة نظره لا يؤثر في كفاءة دفاعاتنا في شرق القناة، ولخطورة الموقف طلب حضور رئيس الجمهورية لشرح الموقف أمامه.
وكانت قوات العدو غرب القناة قد تقدمت خلال يومي 19 و20 أكتوبر غربًا وجنوبًا في اتجاه (فايد)، في ظل تفوق جوي إسرائيلي، وقد بذلت القوات الجوية المصرية مجهودًا كبيرًا خلال هذه الفترة الصعبة لحماية قوات الجيش المصري بالتعاون مع الدفاع الجوي.
وقد بلغ متوسط المجهود الجوي للقوات الجوية المصرية في منطقة الثغرة 330 طلعة طائرة كل يوم خلال المدة من 15 - 18 أكتوبر، وبمتوسط 250 طلعة طائرة كل يوم خلال المدة من 19 - 22 أكتوبر، وكان ذلك دورًا بارزًا للقوات الجوية المصرية التي اسْتُخْدِمَت في طلعاتها كل أنواع الطائرات المتيسرة.
ونظرًا للتفوق البري والجوي الذي أصبح للعدو في غرب القناة كان من الضروري وضع الفرقة الرابعة المدرعة تحت القيادة المباشرة للقيادة العامة حتى يمكن استخدامها -باعتبارها القوة الرئيسية- إما في قطاع الجيش الثاني أو الثالث غرب القناة حسب تطور الموقف.
اجتماع مركز العمليات ليلة 20/ 21 أكتوبر:
شارك في هذا الاجتماع الذي عُقِد في مركز العمليات مساء يوم 20 أكتوبر الفريق الشاذلي، واللواء محمد حسني مبارك واللواء محمد علي فهمي واللواء فؤاد نصار مدير المخابرات الحربية، واللواء سعيد الماحي مدير المدفعية بالإضافة إلى الجمسي.
حضر الرئيس السادات حوالي الساعة العاشرة، واجتمع أولًا مع الفريق أول أحمد إسماعيل على انفراد لمدة حوالي ساعة قبل بدء الاجتماع مع كل الحاضرين في غرفة المؤتمرات داخل مركز العمليات. كانت وجهة نظر الوزير أحمد إسماعيل التي قدمها للرئيس السادات بعد بيان الموقف تتعارض مع رأي الفريق الشاذلي- كانت نقطة الخلاف الرئيسية هي أن الشاذلي يرى سحب أربعة ألوية مدرعة من شرق القناة إلى الغرب، أما أحمد إسماعيل فيرفض ذلك.
دخل الرئيس غرفة العمليات ومعه الوزير أحمد إسماعيل ومعهما المهندس عبد الفتاح عبد الله وزير الدولة لشؤون رئاسة الجمهورية، وطلب الرئيس من المجتمعين رأيهم واحدًا بعد واحد. شرح مدير المخابرات موقف العدو ونواياه من معركته غرب القناة باحتلال الإسماعيلية أو السويس، وهو يحقق له هدفًا سياسيًّا بالإضافة لتأثير ذلك في الموقف العسكري لقواتنا.
وقال الجمسي في مذكراته: "وكنت أنا المتحدث الثاني، حيث شرحت في حديثي موقف قواتنا، أبرزت فيه أن قواتنا في شرق القناة قوية بالقدر الكافي الذي يجعل منها صخرة تتحطم عليها أي محاولات العدو ضدها، ونظرًا لأن الإنجاز العسكري الكبير الذي تحقق بوجود قواتنا في سيناء لا يجب التنازل عنه أو تعريضه للخطر؛ لذلك فإن المحافظة على قواتنا شرق القناة كما هي دون سحب أي قوات رئيسية منها أمر واجب. وكان رأيي أن سحب الألوية المدرعة المصرية من الشرق إلى الغرب يترتب عليه اهتزاز دفاعات قواتنا في الشرق الذي لا يمكن قبوله؛ فضلًا عن ذلك فإن التأثير المعنوي في القوات بعد سحب الألوية المدرعة من الشرق يصبح شديدًا بطريقة سلبية.
وأتذكر أني قدمت أعداد الأسلحة الرئيسية الموجودة في الشرق موضحًا أنها تكفي لتحقيق مهمة الاحتفاظ بمواقع قواتنا في سيناء بكفاءة، وبعد أن استمع الرئيس لرأي باقي القادة لاحظت أن الفريق الشاذلي لم يتكلم، وقرر الرئيس: (عدم سحب أي قوات من الشرق مع احتواء قوات العدو في الغرب).
وأضاف الجمسي: "ويفسر الشاذلي الموقف الذي اتخذه بعدم إبداء رأيه في المؤتمر -كما جاء في مذكراته- فيقول: طلب الرئيس الكلمة من المجتمعين واحدًا بعد الآخر، وقد قام كل منهم بشرح موقف القوات بأمانة تامة، وبعد أن استمع إليهم جميعًا لم يطلب مني الكلمة، وعلق قائلًا: لن نقوم بسحب أي جندي من الشرق. لم أتكلم ولم أعلق، غمزني المهندس عبد الفتاح عبد الله، وهمس في أذني: (قل شيئًا)، ولكني تجاهلت نصيحته. ماذا أتكلم وقد اتخذ الرئيس القرار، ولا يريد أن يسمعني. إنني أريد أن أسحب 4 ألوية مدرعة من الشرق، وهو يعارض سحب جندي واحد، إنه لم يتخذ هذا القرار عن جهل بل عن معرفة تامة بالموقف، إنه يعرف الحقائق كلها عن الموقف، وهذا هو قراره) (راجع مذكرات المشير الجمسي، ص 402 - 403) .
وللتاريخ يقول الجمسي: (لقد عاصرت الفريق الشاذلي خلال الحرب، وقام بزيارة الجبهة أكثر من مرة، وكان بين القوات في سيناء في بعض هذه الزيارات. وأقرر أنه عندما عاد من الجبهة يوم 20 أكتوبر لم يكن منهارًا كما وصفه السادات في مذكراته (البحث عن الذات، ص 348) بعد الحرب. لا أقول ذلك دفاعًا عن الفريق الشاذلي لهدف أو مصلحة، ولا مضادًّا للرئيس السادات لهدف أو مصلحة، ولكنها الحقيقة أقولها للتاريخ).
وأضاف: (لقد كان هناك خلاف في فكر رئيس الأركان (يعني الشاذلي) وفكر القائد العام (يعني السادات) على الطريقة التي نواجه بها موقفًا عسكريًّا أمامنا، وهذا واجب وحق لكل مسؤول في جهاز القيادة أن يُبْدِي رأيه واقتراحه في الموقف. ولكن القرار في النهاية الذي يتحتم على الجميع الالتزام به هو قرار القائد العام المسؤول عن إدارة العمليات. لقد التزمت القيادة العامة بالقرار الذي اتخذه القائد العام مؤيدًا من القائد الأعلى للقوات المسلحة في هذا الموقف. وما زلت أقول حتى اليوم إن هذا القرار -من وجهة نظري- كان صحيحًا وسليمًا لمواجهة الموقف الذي كان يواجهنا. وعندما انتهى الاجتماع غادر الرئيس السادات مركز العمليات) (المصدر السابق، ص 403 - 404) .
غادر السادات مركز العمليات وقد قرر الموافقة على وقف إطلاق النار دون أن يذكر ذلك في الاجتماع، بعد أن تكرر رفضه لوقف إطلاق النار أكثر من مرة خلال الحرب.
موافقة السادات على وقف إطلاق النار:
