الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (34) اسم الله (الحَي) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) ، وقال: ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) (الإسراء: 110) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (رواه البخاري ومسلم) .
الوقفة الأولى: مواضع ورود اسم الله (الحي) ومعناه:
- وَرَد اسمه -سبحانه- (الحَي) خمس مرات في كتاب الله -عز وجل- وذلك في قوله -تبارك وتعالى-: ( اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ) (البقرة: 255) ، وقوله -سبحانه-: ( الم . اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ) (آل عمران: 1- 2) ، وقوله -عز وجل-: ( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ) (طه: 111) ، وقوله -عز وجل-: ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ) (الفرقان: 58) ، وقوله -سبحانه-: ( هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (غافر: 65) .
- وورد في السنة قوله -صلى الله عليه وسلم- في دعائه: ( يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ ) (رواه مسلم) .
- معنى (الحي) في حق الله -تعالى-: الله -عز وجل- هو الحي الباقي الذي لا يجوز عليه الموت ولا الفناء، -عز وجل- وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا، ولا تعرف العرب عن الحي والحياة غير هذا. (ينظر: اشتقاق أسماء الله للزجاج) .
وقال ابن القيم -رحمه الله-: "وحياته -سبحانه- أكمل الحياة وأتمها، وهي حياة تستلزم جميع صفات الكمال، وتنفي أضدادها من جميع الوجوه" (شفاء العليل) . قال الله -تعالى-: ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) (الرحمن: 26- 27) .
الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله بهذا الاسم العظيم (الحي):
أولًا: محبة الله -عز وجل- وإجلاله وتوحيده:
إن العبد إذا علم بأن لربه -تعالى- الحياة الكاملة المطلقة والتي تتضمن جميع صفات الكمال، فإن ذلك يثمر في القلب الابتهاج، واللذة، والسرور مما تندفع به الكروب، والهموم، والغموم: قال ابن القيم -رحمه الله-: "فعِلم القلب ومعرفته بذلك توجب محبته وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج، واللذة، والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب، والهم، والغم" (شفاء العليل) .
ولذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتوسل بحاله وفقره واستسلامه لربه -عز وجل- ويتوسل بعزته -سبحانه- وباسمه (الحي) الذي لا يموت في حفظ إيمانه، والاستعاذة بهذا الاسم العظيم من الضلال والغواية، فكان يقول: ( اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ ) (رواه مسلم) .
ثانيًا: التوكل الصادق على الله -عز وجل-:
فمن آمن بأن ربه -سبحانه- هو الحي الذي له الحياة الكاملة، يكون توكله في جميع أموره عليه وحده -سبحانه-، ويقطع تعلقه ورجاءه بالمخلوقين الضعاف الذين يموتون وينامون ويغفلون وينسون، ولا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا فضلًا عن أن يملكوه لغيرهم: يقول الله -عز وجل-: ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ) (الفرقان: 58) .
ثالثًا: الزهد في هذه الحياة الدنيا الفانية وعدم الاغترار بها:
لأنه مهما أُعْطِي العبد من العمر فلا بد من الموت، أما الحياة الدائمة التي يهبها (الحي) لعباده المؤمنين فهي في الدار الآخرة في جنات النعيم، وهذا الشعور يدفع المسلم إلى الاستعداد للآخرة والسعي لنيل مرضات الله -عز وجل- في الحياة السرمدية في جنات النعيم، قال -سبحانه-: ( وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) (العنكبوت: 64) (1) .
رابعًا: تعظيم قدر الحياة الموهوبة من الحي -سبحانه-:
