شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

فشل التجربة الاشتراكية في مصر (1-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

وبهذا كانت مصر أول دولة عربية تتخذ الاشتراكية الثورية دستورًا ومنهجًا لسياستها الاقتصادية والاجتماعية، وتجند قواها وأجهزتها للدعوة إليها والعمل بمقتضاها والتبشير بها، وعلى أثرها سارت بلاد أخرى، ولولا ذلك لظلت الاشتراكية ضعيفة الأثر في المنطقة.

وخلال هذا الأخذ بالاشتراكية نظامًا للدولة لم تعد الاشتراكية مجرد إصلاحات تهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية أو تقليل الفوارق بين الطبقات أو إنصاف العمال والفلاحين أو إصلاح ما أفسدته التجربة الليبرالية في مصر ونحو ذلك من المطالب التي تبدو كإصلاحات مثالية، إنما صارت الاشتراكية كما أرادها من وضعوها وفرضوها على الشعب مذهبًا فكريًّا وأيديولوجية متكاملة لها خصائصها ونظرتها الشاملة للحياة والدولة والمجتمع والإنسان شاء من شاء أو أبى، وهي لها بالطبع وسائلها التي تستوحيها من التجارب الاشتراكية وحدها.

وهذا أخطر ما في الفكر الاشتراكي: أنه لا يرضى أن يعيش على هامش الحياة أو على حافة المجتمع، تُؤْخَذ منه جوانب وتُتْرَك أخرى، وإنما يريد فرض سيطرته على الحياة بكل جوانبها، لا يشاركه فيها فكر أو أيديولوجية أخرى، إلا تجاوزًا لفترة أو مرحلة تكتيكية محدودة في البدايات، وهذه حقيقة أعلنها الاشتراكيون صراحة بلا خفاء.

قال الدكتور منيف الرزاز -الذي انتخب أمينًا لحزب البعث الاشتراكي العربي في كتابه (دراسات في الاشتراكية) الذي صدر عام 1960م وتضمن مقالات لعدد من قادة حزب البعث-: "إن فهم الاشتراكية على أنها نظام اقتصادي فحسب هو فهم خاطئ. فالاشتراكية تقدم حلولًا اقتصادية لمسائل كثيرة، ولكن هذه الحلول جميعًا ليست إلا ناحية واحدة من نواحي الاشتراكية، وفهمها على أساس هذه الناحية الواحدة فهم خاطئ لا ينفذ على الأعماق، ولا يتعرف إلى الأسس التي تقوم عليها الاشتراكية، ولا يتطلع إلى الآمال البعيدة التي تذهب إليها الاشتراكية".

وأضاف: "فالاشتراكية مذهب للحياة لا مذهب للاقتصاد، مذهب يمتد فيما يمتد إلى الاقتصاد والسياسة والتربية والتعليم والاجتماع والصحة والاخلاق والأدب والعلم والتاريخ، وإلى كل أوجه الحياة كبيرها وصغيرها". وهذا الذي يذكره الكاتب من النظرة الشمولية للاشتراكية ليست مقصورة على الاشتراكية، وإنما في الحقيقة هي النظرة في كل المذاهب الفكرية الأخرى الشمولية التي وضعها الغرب بمقتضى العلمانية المادية وتبناها بعد الثورة الفرنسية، لصبغ كل جوانب الحياة بها، كما في الرأسمالية والديمقراطية والليبرالية، فمن يتبنى أي منها تلزمه نظرتها الشاملة والعمل بمقتضاها وطرح ما عداها بما فيها الأديان.

أوجه من تشابه الاشتراكية الثورية مع الشيوعية (الماركسية):

1- هناك درجة من التقارب بين الاشتراكية الثورية واشتراكية ماركس، فالاشتراكيون الثوريون يتلقون فكرهم من مصادر الماركسية ويرددون كثيرًا من أفكارها ويرفعون كثيرًا من شعاراتها، فنجد في منشوراتهم وخطاباتهم ومقالاتهم وكتبهم الحديث عن كلمات مثل (الطبقية) و(الصراع) و(الحتمية) و(السيطرة على وسائل الإنتاج) وغيرها من الكلمات التي تتردد في الفكر الماركسي. وقد شهدت تلك الفترة تصالحًا بين الاشتراكيين الثوريين والشيوعيين الرسميين المحليين الذين تنازلوا عن تواجدهم في أحزابهم الشيوعية للانضمام إلى الاشتراكيين الثوار، فكانوا يُقَدَّمون في وسائل الإعلام من صحافة ومؤسسات نشر؛ ولهذا قَبِل أعضاء حزب (حدتو) الشيوعي المصري أن يحلوا أنفسهم من تلقاء أنفسهم لينضموا إلى الاتحاد الاشتراكي العربي ويبلغوا أماكن فيه مرموقة تخدم عقيدتهم أكبر مما لو بقوا خارج الاتحاد الاشتراكي العربي.

2- أخذت الاشتراكية العربية من الشيوعية الماركسية فكرة الحزب السياسي الوحيد (أو التنظيم الطليعي) الذي يقوم على أيديولوجية واحدة لا يُسْمَح بالخروج عليها. حزب تتبناه الدولة وتفتح أبوابه عادة لجميع فئات السكان، ولا تسمح بأي تجمع معارض غيره، ولا تسمح لغيره بمزاولة أي نشاط سياسي.

وهكذا تنتقل الأمة من فساد نظام الأحزاب العلمانية وانقساماتها وتناحرها على الحكم والسلطة قبل ثورة يوليو إلى فساد أشد لنظام اشتراكي يضع سياسة معينة يفرضها بالقوة ولا يسمح لأي فئة بمعارضتها، ويتبنى تلك السياسة حزب واحد أو تنظيم أيضًا علماني، لكنه ليس مفتوحًا لمن شاء أن يشارك فيه، بل هو مغلق على أولئك المؤيدين صدقًا أو نفاقًا أو خوفًا لسياسة الدولة، دون سواهم ممن لا يُسْمَح لهم بالعمل السياسي علنًا أو خفية وإلا أُتْهِم بمخالفة سياسة النظام المعلنة، والمفروضة على العباد فرضًا شاؤوا أم أبوا، ليعيشوا خارج هذا الحزب الحاكم مهددين بتهمة معارضته أو مخالفته (دولة بوليسية). وشر الأنظمة ما يسلب الناس نعمة الأمان والأمن والطمأنينة.

3- إن الاشتراكية تفرض على الشعوب فرضًا، فهي غالبًا لا تأتي إلا على أسنة الرماح بعد انقلاب على غير اختيار وطلب من تلك الشعوب، وتبقى وتستمر على ظهور الدبابات، كما هو في دول المعسكر الشرقي (في شرق أوروبا)، ومن قبلها دول وسط آسيا المسلمة التي أُجْبِرَت بالقوة الجبرية على أن تكون ضمن جمهوريات الاتحاد السوفيتي الشيوعي السابق.

هناك أوجه من المخالفة بين الاشتراكية العربية والاشتراكية الماركسية (الشيوعية)؛ منها:

1- إن الاشتراكية الماركسية نظريًّا تؤمن بالعالمية ولا تؤمن بالقوميات. وللمؤامة والتوفيق بين تلك الاشتراكية والدعوة إلى القومية العربية أقر الاشتراكيون بالكفاح القومي العربي على أن تكون مرحلة لتحقيق الاشتراكية الكاملة عندما تنضج.

الصفحة السابقة الصفحة التالية