شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

فشل التجربة الاشتراكية في مصر (1-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

2- إن الاشتراكية الماركسية لا تؤمن بالأديان عامة، بينما معظم الاشتراكيين العرب لا يريدون محاربة الدين جهرة كما هو شأن الشيوعيين؛ إذ الشعوب العربية التي يحكمونها شعوب تدين بالإسلام ولا تقبل مخالفته أو الطعن فيه، بينما الاشتراكية تنشر قيمًا ومفاهيم تتعارض صراحة مع الإسلام. لذا كان من وصايا الشيوعيين في بعض البلاد العربية سكوت الاشتراكيين عن التعرض للدين على الأقل في مراحلهم الأولى، على أن بعض الاشتراكيين العرب ممن اقتربوا من الماركسية كثيرًا لم يتوانوا عن الإعلان عن عدائهم للدين بلا مواربة أو خجل، كما في الجناح المتطرف من (حركة القوميين العرب).

وقد أسفر تطبيق الاشتراكية في مصر خلال تلك الفترة عن نفس المفاسد التي عانت منها الدول التي سبقت مصر في الأخذ بالاشتراكية منهجًا: فالاشتراكية بتقديمها مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد وإلغائها للملكية الخاصة جزئيًّا أو كليًّا، وسيطرة الدولة على أدوات الإنتاج، وتحكمها في الحياة الاقتصادية وتوجهاتها، وفرضها أيديولوجيتها على أفرادها، وتقييد حرياتهم بصرف النظر عن قدراتهم ومواهبهم، كل ذلك أدى لمحاربة ما جُبِلَت عليه النفس من حب التملك والإثراء، والرغبة في إبراز المواهب والقدرات، وأدت إلى إهدار المواهب والطاقات، وسيطرة البيروقراطية المعوقة للعمل، وانتشار البطالة المقنعة والسلبية والتواكل والمحسوبية، وتسلط الحزب الحاكم المنفرد بالسلطة، وبث روح الخوف والتوجس، ونشأة الدولة البوليسية القائمة على افتقاد الأمان بين أبناء الوطن الواحد، والمحصلة ضعف الإنتاج وقلة الدخل وتردي مستوى المعيشة. وما انهيار الشيوعية (الاشتراكية الماركسية) في عقر دارها (الاتحاد السوفيتي) إلا الدليل الظاهر الجلي على فشلها.

مآخذ على الفكر القومي:

ظهرت النزعات الإقليمية والقومية والوطنية في أوروبا بعد الثورة الفرنسية كرد فعل على الاستبداد السياسي للأباطرة والملوك الذي عاشته وعانت منه أوروبا في القرون الوسطى، ومن أوروبا انتشرت تلك الدعوات إلى القوميات خارجها.

وقد بدأت تلك الدعوات والنعرات الضيقة في المنطقة العربية مع بداية القرن العشرين، فكان منها:

- الدعوة إلى الإقليمية المصرية التي دعا إليها (حزب الأمة) من خلال صحيفته (الجريدة)، والتي كان يرأس تحريرها لطفي السيد الملقب بأستاذ الجيل والذي يُعَدّ أول من نادى بأيديولوجية مصرية تُصَاغ فيها مبادئ تعيش عليها الأمة المصرية بشخصية مستقلة لها طابع مميز. وكان هذا الاتجاه الناشئ مناوئًا للدعوة إلى (الجامعة الإسلامية) السائد وقتها، وهو الاتجاه الذي دعا إليه الأفغاني، وتبناه الزعيمان: مصطفى كامل ومحمد فريد، ويرتبط هذا الاتجاه بدولة الخلافة العثمانية ويرمي إلى إصلاحها لتقويتها من الداخل لتكون قوة إسلامية قادرة على الوقوف بقوة في مواجهة قوى الغرب المتربصة بها.

- الدعوة إلى (الفرعونية)، وهي الدعوة التي دعا إليها بعض الأقباط؛ مثل: (سلامة موسى) وأضرابهم من المتغربين ممن تأثروا بما تعلموه أو قرؤوه من الفكر الغربي.

- الدعوة إلى الارتباط باليونان وحضارة شرق المتوسط، وهي الدعوة التي كان في مقدمة أنصارها الدكتور طه حسين، وترى أن مصر ترتبط باليونان وحضارة شرق البحر المتوسط أكثر مما ترتبط بالعروبة وبالإسلام. وهي الدعوة التي ظهرت جلية في كتاب طه حسين (مستقبل الثقافة في مصر).

- الدعوات القومية والإقليمية والقومية خارج مصر، ومنها: الدعوة الإقليمية السورية التي دعا إليها (أنطون سعادة) وحزبه الحزب (القومي السوري)، والدعوة الآشورية في العراق، والدعوة الفينيقية في الشام، والبربرية في المغرب العربي.

وقد اتخذت هذه الدعوات من ماضٍ سحيق لحضارات قديمة كانت في المنطقة قبل انتشار العروبة والإسلام بآلاف السنين وانقطعت تاريخيًّا عن الشعوب العربية المسلمة التي تعيش في المنطقة منذ قرون طويلة. وكان وراء دعم ذلك الاتجاه جهود الأوروبيين لكشف وإظهار وإعادة تقديم تلك الحضارات القديمة وإحياء جوانب من ثقافاتها القديمة لصرف شعوب المنطقة إليها بدلًا من التوجه نحو وحدة تجمعها في ظل هويتها العربية والإسلامية، وذلك بتبني تلك الدعوات ذات النظرة الضيقة، التي تفرق ولا تجمع، وتشتت ولا تقرب.

وكان زعماء من العرب القوميين قد قاموا بثورتهم العربية في الحجاز والشام ضد الأتراك خلال الحرب العالمية الأولى بما ساهم في انتصار الحلفاء على تركيا في الحرب.

وكانت هناك عوامل لعبت دورها في نشأة تلك الثورة، من خلال تصارع اتجاهين قوميين: اتجاه قومي تركي قاده قادة جمعية الاتحاد والترقي، ونزعة عربية قومية استقلالية من زعماء الحجاز والشام للانفصال عن الدولة العثمانية لأمورٍ؛ منها:

1- انتهاج جمعية (الاتحاد والترقي) التي سيطرت على الحكم في تركيا لسياسة التتريك، من خلال التعصب للقومية التركية (الدعوة الطورانية) والإساءة للعرب، وهي الدعوة التي أثارت شكوك فئات من العرب كانوا يتطلعون وهم على ولائهم للدولة العثمانية إلى صور من الإصلاح والقضاء على صور الفساد التي انتابت الدولة العثمانية، مع منح قسط أوفر من الحريات السياسية والمدنية، بعيدًا عن أي مطالبة منهم بالانفصال عن الدولة العثمانية أو السعي للقضاء عليها. وقد كان قادة جمعية الاتحاد والترقي وبدون أي استثناء من الماسونيين (من البنائين الأحرار)، وكان يهود الدونمة (يهود سالونيك) جزءًا منهم، فكان ولاء هؤلاء جميعًا هو لمبادئ الماسونية أكثر من ولائهم للترك أو للإسلام.

2- إثارة سياسة جمال باشا -قائد الجيش الرابع في سوريا أثناء الحرب العالمية الأولى- القومية المتطرفة، والتي قضت بإعدام زعماء عرب بارزين في بيروت ودمشق بين عامي 1915م و1916م، مما أثر تأثيرًا كبيرًا في نفوس العرب، وزاد من شدة التوتر بين العرب والأتراك. وهو ما دفع بزعماء عرب بعدها إلى التوجه نحو الانفصال عن تركيا والاستقلال.

3- تشجيع وتحريض الحلفاء للزعماء العرب على الثورة ضد الأتراك من خلال الوعود والأماني، مع مد وتقديم عملاء الحلفاء لهؤلاء الزعماء العرب بالسلاح والذخيرة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية