فشل التجربة الاشتراكية في مصر (1-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد عاشت مصر بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952م تجربة تطبيق للاشتراكية بعد تولي جمال عبد الناصر رئاسة مصر وانفراده بالسلطة فيها حتى وفاته في سبتمبر 1970م. وقد باءت هذه التجربة في مجملها بالفشل الذي جعل خليفته أنور السادات الذي تولَّى حكم مصر بعد وفاة عبد الناصر، والذي شاهد وشارك عبد الناصر تجربته الاشتراكية من أولها إلى آخرها، يعدل عنها تدريجيًّا إلى تجربة أخرى على النقيض منها ينتقل فيها من الارتباط بالمعسكر الاشتراكي إلى الارتباط بالمعسكر الغربي.
وتحول التحرك العسكري الذي قام به مجموعة من ضباط الجيش المصري من حركة للإطاحة بالملك فاروق تلاها إعلان الجمهورية وإلغاء الملكية ثم السعي إلى إجلاء الإنجليز عن مصر إلى الانفراد بالحكم والسلطة.
وكان قرار قادة حركة 23 يوليو إنهاء التجربة الليبرالية التي عاشتها مصر في الفترة من الاستقلال الصوري الذي منحته إنجلترا لمصر في فبراير عام 1922م، من خلال نظام ملكي دستوري متمثل في دستور عام 1923م، مع فتح باب العمل السياسي وقيام الأحزاب، مع بقاء القوات البريطانية في منطقة القناة، وتدخلها بنفوذها في شؤون البلاد.
وقد فشلت تلك التجربة الليبرالية في تحقيق ما كانت تتطلع إليه البلاد، حيث قادت البلاد إلى صور من الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتغلغل النفوذ البريطاني؛ مما استدعى تدخل الجيش وحدوث الانقلاب. فكان القرار بإلغاء الأحزاب ووقف العمل السياسي وتعطيل العمل بالدستور، والسعي إلى القضاء على الإقطاع بتحديد الملكية الزراعية، وتقليص نفوذ كبار الملاك والرأسماليين.
وقد قادت ثورة يوليو بعد أن انفردت بالسلطة بلا منافس أو منازع من منتصف الخمسينيات تطبيق هذه التجربة الاشتراكية مع مزجها بالدعوة إلى القومية العربية، والسعي لتحقيق الوحدة العربية.
لقد اتخذت ثورة يوليو اتجاهًا جديدًا لمصر وللأمة العربية لمرحلة ما بعد الاستقلال والتخلص من الاحتلال العسكري الأجنبي والانفراد بإدارة شؤونها، والتطلع إلى تحقيق التقدم والرفعة والازدهار على أيدي أبنائها. وقد جمع هذا الاتجاه بين دعوتين أراد أن يمزج بينهما في مزيج واحد: الاتجاه الاشتراكي الثوري، والاتجاه العربي القومي الوحدوي.
وقد غاب عن الكثيرين ممن عاصروا أو درسوا تلك الفترة وتوجهها ما في الدعوة إلى الاشتراكية ومن الدعوة إلى القومية من سلبيات ومآخذ سجَّلها التاريخ في حق كل من الاشتراكية والقومية منذ بداية ظهور كل منهما، وطوال فترة تطبيقهما والأخذ بهما، إلى جانب ما في الأخذ بالاشتراكية من توجه عالمي يناوئه ما في القومية من توجه ينافي تلك العالمية، وهي مآخذ تنذر بفشل التجربة في حق الأمة من قبل البدء فيها لمن عقلها وتدبرها.
مآخذ على المذهب الاشتراكي:
الاشتراكية مذهب يغلب مصلحة الجماعة على حساب مصلحة الفرد، ويناهض الملكية الخاصة بتقييد حرية التملك بغرض منع طغيان الأغنياء وسيطرتهم. وللاشتراكية صور متعددة تتفاوت في تشددها وتطرفها، وأشدها تطرفًا الشيوعية (الماركسية أو الاشتراكية العلمية). وقد ظهرت الاشتراكية في المنطقة العربية من خلال فئات صغيرة، وأيدها وتبناها بعض الكتاب منهم: السوري (شبلي شميل) (1860م - 1917م)، والكاتب المصري سلامة موسى (1887م - 1959م).
ومع قيام الثورة (البلشفية) الشيوعية في روسيا ازداد النشاط الاشتراكي اليساري في العديد من الدول، وإن لم يكن للاشتراكيين في الدول العربية شأن يُذْكَر مقارنة بالحركات الاشتراكية في دول أخرى.
ومع نجاح حزب العمال الاشتراكي في الانتخابات النيابية في بريطانيا في عام 1945م نشأت أحزاب اشتراكية في بعض الدول العربية منها (الحزب العربي الاشتراكي) الذي أسسه (أكرم الحوراني) في سوريا عام 1950م، والذي توحَّد مع حزب (البعث العربي) القومي الذي أسسه (ميشيل عفلق) عام 1953م وصار اسمه (حزب البعث العربي الاشتراكي) ليمزج بين فكر الاشتراكية الاقتصادي وفكر القومية العربي، ونال هذا التوجه أنصارًا في الشرق العربي. كما كان هناك (الحزب الشيوعي) الذي تميز بأيدلوجية واضحة وشبكة من الفروع واسعة وكان أغلب أتباعه من المتعلمين ومن الطبقة العاملة.
وبعد قيام ثورة يوليو 1952م والقيام بتأميم لبعض المؤسسات والشركات وما ترتب على ذلك من هروب الأموال الأجنبية ورؤوس أموال الأقليات كان استعمال تعبير (العدالة الاجتماعية) سابقًا لاستعمال كلمة (الاشتراكية)، وهو تعبير يفتح الباب عمليًّا لتدخل الدولة لتلعب دورًا أكبر في الحياة الاقتصادية.
ومع بدء الدخول في الستينيات أصبحت كلمة (الاشتراكية) أصرح وأظهر خاصة مع التوسع في عمليات التأميم، ثم جاءت سلسلة قرارات التأميم في يوليو عام 1961م التي امتلكت بها الدولة كل النشاطات الاقتصادية الكبيرة، ثم كان خفض الملكية الزراعية الفردية إلى مائة فدان، مع فرض ضرائب تصاعدية عالية على أصحاب الدخول المرتفعة، ومنع تملك أسهم شركات معينة بقيمة أكثر من 10 آلاف جنيه.
وقد شهدت تلك الفترة مقالات وكتابات وخطبًا وأحاديث كثيرة للترويج لمفهوم الاشتراكية التي أعلنتها وتبنتها الدولة المصرية، كما شهدت كتابة (الميثاق الوطني) ليكون هو النهج الذي تسير عليه البلاد وتسترشد به، والذي يُعَدّ ترديدًا لأفكار وردت في الماركسية القائلة بحتمية التطور إلى الاشتراكية العلمية.
جاء في الباب السادس من الميثاق في التأكيد على حتمية الحل الاشتراكية: "إن الحل الاشتراكي لمشكلة التخلف الاقتصادي والاجتماعي -وصولًا ثوريًّا إلى التقدم- لم يكن افتراضًا قائمًا على الانتقاء الاختياري، وإنما كان الحل الاشتراكي حتمية تاريخية فرضها الواقع، وفرضتها الآمال العريضة للجماهير".
كما أكد الميثاق: "إن الصراع الطبقي لا يمكن تجاهله وإنكاره".
ويذكر الميثاق: "إن الاشتراكية هي الصيغة الملائمة لإيجاد المنهج الصحيح للتقدم، وإن أي منهاج آخر لا يستطيع -بالقطع- أن يحقق التقدم المنشود".
ويرى الميثاق: "ضرورة سيطرة الشعب على أدوات الإنتاج"، كما يدافع بشدة عن التأميم.
