شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الحنيفية والبراء من المشركين (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

فحينما يولد الإنسان تولد له رغبات معينة، فيجد في نفسه الحاجة إلى الهواء فيتنفس، ويجد نفسه محتاجًا إلى الأكل فيأكل ويمص ثدي أمه قبل أن يفهم، قد جعل الله فيه هذه الحاجات لكي تستمر حياته، فلو أن إنسانًا لم يشعر بحاجته إلى التنفس سيموت. فمن أسباب الموت بالمخدرات -كالهيروين- أنه يشل مراكز التنفس في المخ، فيجعل مركز التنفس لا يشعر أنه محتاج إلى الهواء، فيموت الإنسان نتيجة لهذه الجرعة الزائدة التي تشل مركز التنفس، وتقول له أنت بحالة جيدة، ولا تحتاج إلى هواء، فلا يتنفس فيموت -والعياذ بالله-.

ومن ضمن أسباب موت الأطفال في السن الصغيرة جدًّا، أن الطفل لا يريد أن يرضع، فيتوقف عن الرضاعة؛ لأنه لا يشعر أنه جائع، فيعجز الأطباء عن عمل أي شيء له إلى أن يموت. وحال القلب كذلك أيضًا، فكما أن البدن خُلِق محتاجًا إلى النَّفَس والطعام والشراب، خُلِق القلب مائلًا إلى الله -عز وجل-، يحتاج إلى أن يتعبد، يحتاج إلى أن يحب، وأن يخضع إلى الله -عز وجل-، فهذه هي الفطرة ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) (الروم: 30) ، إن لم يشعر بهذا الأمر سيموت القلب ويضل ويهلك.

ويجد العبد في هذا التوجه والميل حقيقة غايته في هذه الحياة والحكمة من وجوده ومصيره الذي يصير إليه، وهو أنه يرجع إلى الله -سبحانه وتعالى-، يجد العبد الإجابة عن الأسئلة الفطرية الضرورية من أنا؟ ومن أين جئت؟ ولماذا جئت؟ وماذا يُرَاد مني؟ من أوجدني؟ ومن جاء بي؟ ومن خلقني؟ وإلى أين أذهب؟ أسئلة موجودة في نفس كل إنسان، لا يستطيع الإجابة عنها إلا إذا توجه إلى الله -عز وجل-. والعبد إذا جرب لذة التوحيد والعبادة والحب وجد شيئًا لا نظير له في حياته كلها ووجد نعيمًا لا يدانيه نعيم آخر ويجد راحة لا تماثلها راحة أخرى. ويتأكد هذا المعنى عنده -بوجوب توحيد العبادة- إذا كان قد جرب قبل ذلك الجاهلية والتوجه لغير الله، وجرب مدى ضرره وشقائه وعذابه به فيشعر بالفرق الهائل حينئذٍ.

وأيضًا، إذا كان من البدء على هداية ولم يكن على سبيل الجاهلية فيتدبر حال غيره، فيتأكد هذا المعنى عنده حين يرى حال غيره من البشر من حوله كيف يشقون بآلهتهم الباطلة ويعانون معاناة لا نظير لها، يعانون من تعلقهم بأصنام وأوثان وشمس وقمر ونجوم، ورياسة ومُلْك، ودرهم ودينار وكبراء ورؤساء، ومطاعين وضعوا لهم نظريات فاسدة وأديانًا باطلة تشقى بها أجيال تلو أجيال في دنياهم قبل أخراهم، فيوقن الإنسان حينئذ ويزداد يقينًا بأنه لا إله إلا الله، فيكون حنيفًا ويتبرأ من المشركين ومن طريقتهم وملتهم، ويبغض صفاتهم وأعمالهم ويبغضهم ويفارقهم، حتى لو كان محتاجًا في دنياه لموافقتهم، فلذة عبوديته لربه تسليه عن فقد بعض مصالح دنياه مؤقتًا بسبب هذه البراءة، لأنه حينما يتبرأ من المشركين سيعادونه ولن يعطوه المصالح التي يعطونها لأوليائهم، نعم، سيتعب تعبًا قليلًا مؤقتًا، ثم بعد ذلك أثناء تعبه هذا وأثناء مفارقته وأثناء براءته من الشرك وأثناء عدم الحاجات التي يريدها في دنياه سيتسلى بعبادة الله -عز وجل-، وستُنْسِيه لذة عبوديته ألم فقد هذه المصالح، وسيجمع الله له شمل دنياه وأخراه، وسيجد هذه المصالح التي ضاعت منه قد جاءته من غير أن يبذل أي مجهود، لأنه من أصبح والآخرة همته جمع الله له شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة.

وقضية البراءة من المشركين في قوله: ( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (الأنعام: 79) قضيةٌ عظيمةُ الأهمية في عقيدة المؤمن وفي سلوكه ومعاملاته، ولأن المصالح متشابكة والأحوال متداخلة وقد اقتضت حكمة الله ألا توجد في الدنيا المثالية المنشودة، بل ما يزال الخير مختلطًا بالشر عند أكثر الناس، ولهذا كانت هذه المسألة بحاجة إلى تكرار يومي حتى تستقر في نفس المؤمن ولا ينحرف إلى ما يخالفها، ففي كل يوم لك مصالح عند أعداء الإسلام.

وكثير من الناس ينسى قضية الولاء والبراءة من المشركين في المصالح؛ الأمر الذي يجعلهم يدورون في فلكهم تحت ضغط مصلحة موهومة أو لدفع مفسدة محتملة دون مفسدة موالاة المشركين والتي هي في الحقيقة أشد ضررًا وأعظم مفسدة، والذل الذي يحصل بسبب طاعتهم أضعاف ما يفر منه الإنسان من الأذى أو من المضرة، لكن أكثر الناس موازينهم مختلة فلا يُحْسِن أكثر الناس استعمال الميزان الذي أنزله الله مع الكتاب: ( اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ ) (الشورى: 17) .

هذا الميزان إنما تُوزَن به الأفكار والعقائد والتصرفات والأخلاق والسلوكيات، ولا يهتدي أكثر الناس أصلًا إلى هذا الميزان فيزنون المصالح والمفاسد بموازين العقل القاصر أو الهوى الغاوي أو التقليد الجاهل، فيقول لك إنما نحن مصلحون: ( أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ) (البقرة: 12) .

تجد أن أكثر العالم يظنون أنفسهم يصلحون ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا، لذا أُصِيبَت الأمة بما أُصِيبَت به من أنواع الضرر والهزيمة والذل والهوان وتسلط الأعداء من جراء تضييع الإيمان ومنه قضية البراءة من المشركين، بل إن هذه القضية لها خصوصية في هذا الباب، وهي أن الركون إلى الذين ظلموا بموافقتهم في باطلهم وافتراء الكذب على الله وعلى دينه وعلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- بما وافق أهواءهم يُفْقِد العبد ولاية الله ونصرته. فقضية موالاة المشركين مرتبطة ارتباطًا أساسيًّا بقضية الهزيمة التي تحل في الأمة، والتي سببها أساسًا موالاة الكفار -والعياذ بالله- لأنه كما قال الله -عز وجل-: ( وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ) (هود: 113) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية