شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الحنيفية والبراء من المشركين (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

والمتأمل في تاريخ الإسلام وما حدث من مصائب كبرى في تاريخ المسلمين -ابتداءً من سقوط بغداد على يد التتار، ومرورًا بضياع الأندلس، وأخيرًا احتلال بيت المقدس والأرض المباركة حوله من اليهود، هذا غير احتلال بلاد كثيرة من البلاد الإسلامية- يجد أن الهزيمة دائمًا كانت بسبب من يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يخون أمته وينصر عدوها، وإلا فأمة الإسلام قادرة قدرة عجيبة بفضل الله -تعالى- على الصمود في وجه أعتى الأعداء وأقواهم، ولها قوة عظيمة في الثبات أمام أقوى الأسلحة وأكثر الجيوش عددًا وعدة، حتى تحصل الخيانة وتسقط فئة في هوة الموالاة لأعداء الله وترك البراءة منهم، فتحصل الهزيمة ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهذه القضية وكل قضايا التوحيد التي تضمنها هذا الدعاء العظيم تحتاج إلى تكرار حتى تستقر وتثبت بل تنمو وتكبر وتثمر ثمارها في حياة المؤمن فهي الشجرة الطيبة: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ . تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) (إبراهيم: 24- 25) .

حاصل الكلام في هذه الجملة الأولى في هذا الاستفتاح العظيم: ( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) أن المتأمل يلحظ أن كل جزء من هذا الدعاء يقود إلى الذي يليه أو هو دليل عليه، فتوحيد الربوبية في قوله: ( لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) دليل على توحيد الألوهية في ( وَجَّهْتُ وَجْهِيَ )، والتفكر في خلق السماوات والأرض في قوله: ( فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ) يُبَيِّن للعبد آثار الأسماء الحسنى والصفات العلى من الجلال والجمال والمجد والعظمة، فلا يجد العبد بُدًّا من الميل الفطري إلى الله، حبًّا وانقيادًا وتعظيمًا وبُعْدًا عمن سواه حنيفـًا، وهذا البعد عمن سواه من المعبودات الباطلة يستلزم بغضًا وبعدًا وبراءة منها ومن عابديها، فيقول: ( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ).

فسبحان من أحاط بكل شيء علمًا وتمت كلماته صدقًا وعدلًا، وله الحمد على ما شرع لعباده وهداهم لحقائق الإيمان المتلازمة المترابطة التي تفتح كل حقيقة منها لصاحبها أبواب الحقائق الأخرى، كمن دخل قصرًا ووجد كنزًا فإذا دخل غرفة من غرف القصر وجد فيها مفاتيح غرف أخرى، وكلما طالع جواهر الكنز وجد معها ومنها مفاتيح كنوز أخرى.

فاللهم أنر قلوبنا بحبك وزدنا علمًا ويقينًا وإيمانًا.

والحمد لله رب العالمين.

الصفحة السابقة