شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (35) اسم الله (الخَالِق) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

- ولقد تحدَّى (الخَالِق) -سبحانه وتعالى- المنكرين والمشركين في عبادته أن يخلقوا شيئًا ولو يسيرًا: قال -تعالى-: ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (العنكبوت: 61) ، وقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) (الحج: 73) ، وقال -تعالى-: ( هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) (لقمان: 11) . وفي الحديث القدسي: ( فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ شَعِيرَةً ) (رواه البخاري ومسلم) .

وبعد غزوة بدر، جاء جبير بن مطعم -رضي الله عنه-، يطلب الفداء لبعض الأسرى، وكان يومئذٍ كافرًا، فأدرك النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يصلي صلاة المغرب، فسمعه يقرأ بسورة الطور، فلما بلغ هذه الآية: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الخَالِقُونَ . أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ . أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ ) (الطور: 35- 37) ، قال جبير -رضي الله عنه-: "كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي" (رواه البخاري) .

الوقفة الثالثة: من آثار التعبد لله باسمه (الْخَالِق):

أولًا: رسوخ التوحيد في قلب العبد المؤمن الذي آمن بالله (الْخَالِق)؛ لأن كل من سوى الله من المعبودات (مخلوقة)، وقد كانت عدمًا: قال -تعالى-: ( ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ ) (الأنعام: 102) ، وقال -تعالى-: ( وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) (الفرقان: 3) ، وقال -تعالى-: ( أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ) (النحل: 17) . وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: سألت النبي -صلى الله عليه وسلم-: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: ( أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ ) (رواه البخاري ومسلم) .

ثانيًا: التعبد لله باسمه -سبحانه- (الْخَالِق) يورث المحبة الكاملة له -عز وجل-: لأنه -سبحانه- الذي خلقنا وأنعم علينا بنعمة الإيجاد بعد أن لم نكن شيئًا مذكورًا، ثم أمدنا -سبحانه- بما خلقه في هذا الكون من نعم وبما سخره لنا من مخلوقاته، وبما أمدنا به من السمع والبصر والأفئدة وغير ذلك من النعم التي لا تُعَدّ ولا تُحْصَى؛ قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) (فاطر: 3) .

ثالثًا: التعبد لله باسمه -سبحانه- (الْخَالِق) يدفع إلى قبول شرع (الْخَالِق)، وتعظيم أمره والعمل به والتحاكم إليه وعدم الرضا بغيره بديلًا: لأنه الشرع الصادر عنه -سبحانه- العليم بما خلق، وبما يصلحهم؛ قال -تعالى-: ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (الملك: 14) .

رابعًا: التعبد لله باسمه -سبحانه- (الْخَالِق) يدفع إلى تعظيم الله -عز وجل- وتكبيره وإجلاله وذلك عند معاينة مخلوقاته العظيمة في الآفاق والأنفس: لأن عظمة هذه المخلوقات ودقتها وانتظامها تدل على عظمة خالقها وإتقانه لما خلق؛ قال -سبحانه-: ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ) (النمل: 88) ، وقال -تعالى-: ( الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ) (الملك: 3) .

خامسًا: التعبد لله باسمه -سبحانه- (الْخَالِق) يدفع إلى الإكثار من التعبد له باسمه (الْخَالِق)؛ وذلك بأن يدعو ربه به، ويسأله بأنه الذي خلق كل شيء، ويتوسل إليه بأنه الخلاق وحده؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، اغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ ) (رواه البخاري) . وكان من دعائه -صلى الله عليه وسلم-: ( اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي، فَحَسِّنْ خُلُقِي ) (أخرجه أحمد، وصححه الألباني) . وكان من دعائه -صلى الله عليه وسلم- في سجوده: ( سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (رواه مسلم) .

فاللهم أنت ربنا لا إله إلا أنت، خلقتنا ونحن عبيدك، فاغفر لنا ما قدَّمنا وما أخرنا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إذا أُضِيف الخلق إلى المخلوق كما في قوله -تعالى- عن عيسى -عليه السلام-: ( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ) (آل عمران: 49) فالمعنى: هو تحويل الشيء من صفة إلى صفة، فالخشبة مثلًا في أصلها من الشجرة، ثم حُوِّلَت بالنجارة إلى باب، فتحويلها إلى باب يُسَمَّى خَلْقًا، لكنه ليس الخَلْق الذي يختص به الخالق وهو الإيجاد من العدم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية