فشل التجربة الاشتراكية في مصر (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
- والمحصلة عند وقوع هزيمة 1967م تضخم مالي، وتحمل الجماهير زيادة في الأسعار، وتزايد في البطالة، وهزيمة عسكرية مروعة فقدت فيها مصر قواتها البرية كلها، ودُمِّرَت 80% من قواتها الجوية.
- وشهدت هذه الفترة من التجربة الاشتراكية ظاهرة لم يعرفها المصريون من قبل: ظاهرة السفر للعمل في الخارج (في الدول العربية) أو الهجرة (إلى الدول الأوروبية).
وقد كشفت التحقيقات والمحاكمات التي طالت كبارًا في الدولة بعد هزيمة يونيو 1967م عن كثير من الفساد واستغلال النفوذ باسم الثورية والاشتراكية. فساد أبطاله ضباط كبار ومراكز قوى في الطبقة الحاكمة، بما لا يقل عن الفساد الذي كان قبل ثورة يوليو يقع باسم الديمقراطية والحرية الاقتصادية.
أمَّا الشركات والمؤسسات التي طالها التأميم فقد نُقِلَت ملكيتها إلى الدولة (خزينة الدولة) لتتولى أمرها الفئة القائمة على الدولة، تتصرف فيها وفق ما تراه، ويطولها من فساد التصرف فيها ما يطول غيرها في ظل استبداد الفئة الحاكمة بشؤون البلاد.
ضياع الحريات:
كان من أهداف الثوريين الاشتراكيين تحقيق الحرية:
- حرية الوطن بالتخلص من كل نفوذ وسيطرة أجنبية.
- حرية المواطن ليعيش في وطنه معززًا مكرمًا آمنًا على نفسه ومستقبله.
- وأيضًا تحرير فلسطين التي اغتصبها اليهود الصهاينة.
أمَّا حرية الوطن من النفوذ الأجنبي، فقد أضاعت هزيمة يونيو 1967م أرض سيناء كاملة، كما ضاعت القدس والجولان والضفة الغربية. ولم يقدِّم الاشتراكيون لتحرير أرض فلسطين المغتصبة شيئًا يُذْكَر لهم خلال سنوات حكمهم، بل انتهت تجربتهم بتوريط الأمة في هزيمة لم ولن تعرف الأمة مثيلًا لها في تاريخها الحديث.
وأخرج الثوار الاشتراكيون البلاد من التبعية والارتباط بالغرب واستبدلوها بالتبعية والارتباط بالشرق، إذ صار بعد سنوات قليلة من الثورة للسوفيت تواجد يتزايد من خلال تزويد الجيش المصري بالسلاح، والتواجد الكبير لخبرائه ومستشاريه.
بدأ التدخل الروسي في مصر بصفقة الأسلحة من الكتلة الشرقية في عام 1955م. وازدادت الحاجة إلى السلاح الروسي بعد العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956م. ثم ازدادت الحاجة لهذا السلاح بعد المشاركة لخمس سنوات في الحرب الأهلية في اليمن.
وعندما تدهورت العلاقات المصرية الأمريكية وترتب على ذلك إيقاف شحن القمح الأمريكي لمصر مما سبب نقصًا في الغذاء كان اللجوء من جديد لروسيا لتعويض هذا النقص في القمح وتقديم المعونة الاقتصادية ليزداد النفوذ الروسي.
وبعد هزيمة 1967م كان اللجوء أكثر وأكثر إلى روسيا لإعادة تسليح الجيش، مع قبول شرط موسكو بتدريب ومراقبة الجنود المصريين. وصار للبحرية الروسية تسهيلات ومراكز لوجستية في الإسكندرية وأخرى في بور سعيد، والآلاف من الخبراء والمستشارين الروس في مجالات مختلفة في البلاد.
ولا شك أنه لن يكون هناك تحرر سياسي للبلاد ما دام هناك اعتماد تام على أحد المعسكرين الغربي أو الشرقي. وإنما الذي حدث هو الانتقال من دائرة نفوذ الغرب إلى دائرة نفوذ الشرق، وكلاهما نفوذ أجنبي كان يجب التحرر منه اقتصاديًّا وسياسيًّا.
وبالنسبة لحرية المواطن في وطنه: فقد تعرض المواطن من قِبَل أجهزة الأمن والمخابرات العامة لامتهان كرامته وفَقْد للأمان والطمأنينة، في ظل دولة بوليسية تمثلت في أبشع وأفظع وسائل القهر والتعذيب خاصة في سنة 1954م، وفي سنة 1965م. وهي الانتهاكات التي اعترف بها النظام الحاكم بعد هزيمة يونيو 1967م، وأقر بأنه كان هناك انحراف في جهاز المخابرات، فكان الجهاز دولة داخل دولة.
وهذا ما قاله عبد الناصر بنفسه في خطاب له في 23 نوفمبر 1967م، حيث قال: (شيء آخر في مجال التغيير، حساب الانحرافات في جهاز المخابرات الذي تكشف. حصل انحرافات في جهاز المخابرات).
وأضاف أيضًا: (أنا باقول لكم بصراحة إن أنا كنت أرى بعض مظاهر هذه الانحرافات قبل 5 يونيو، ولكني لم أكن أتصور مداه. حاولت بكل ما أستطيع. نجحت أحيانًا. ولم أر الحقيقة كلها في أحيان أخرى. وأنا فعلًا كنت مشفق على البلد من تكتلات القوى ومراكز القوى).
وفي هذا المعنى كتب محمد حسنين هيكل في جريدة الأهرام في 20 أكتوبر 1967م يقول: (إن بعض أجهزة المخابرات العربية شغلت نفسها بالداخل طلبًا للسلطة، ولم تُعْطِ العناية الكافية للناحية الأخرى من خط النار).
وأضاف: (ثم إن بعض أجهزة المخابرات العربية في محاولاتها لاستعمال بعض وسائل العدو -وبينها المال والجنس مثلًا- خلطت كما يبدو بين الوسائل والغايات، أي أنها توقفت عند الوسائل في عدد من المرات وغرقت فيها، ولم تستطع مقاومة الغواية والإغراء، وتجاوزها إلى تحقيق الهدف). ولا يخفى ما في هذا الكلام الناعم من تغليف لفساد دولة المخابرات ذات الإمكانات الضخمة وقتها، غرقها في الإغراء بالمال والابتزاز بالجنس. وهو ما انكشف أمره في التحقيقات مع رؤساء تلك الأجهزة عند محاكمتهم بعد ذلك، ونشرت أحداثًا منها وسائل الإعلام المقروءة في كتب ومجلات، وعرضت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة نماذج منها من خلال أفلام سينمائية ومسلسلات.
وعندما قُدِّم رؤساء هذه الأجهزة الأمنية والمخابرات للمحاكمة صدرت ضدهم أحكام بالسجن. وهو ما دعا أنور السادات بعد ذلك إلى القيام أيضًا بما عُرِف بثورة التصحيح في مايو 1971م لتصحيح تلك الأوضاع المشينة.
الفشل في تحقيق الوحدة العربية:
ما أجمل شعار الوحدة العربية، وما أعظم هذا الهدف لأمة تمتد من المحيط الأطلنطي إلى الخليج العربي تجمعها وحدة الدين واللغة والتاريخ المشترك والآمال والأماني والأهداف الواحدة، وهي أمور كافية وكفيلة بتحقيق الوحدة إن صلحت النفوس والنوايا وعظمت الهمم. ولكن كبار الدعاة إلى هذه الوحدة بالشعارات والهتافات هم الذين أفسدوا أمرها، وقفلوا أبوابها، وأوجدوا العقبات في الطريق إليها. فباءت الأمة في عهدهم نقيض ما كانت تحلم به:
تمزيق وحدة وادي النيل:
