فشل التجربة الاشتراكية في مصر (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
كان ارتباط السودان بمصر وارتباط مصر بالسودان هدفًا مشتركًا لكل القوى الوطنية في البلدين لعشرات السنين، لما بين البلدين من الجوار ووحدة الدين واللغة والتاريخ وروابط الأخوة وتشابه نمط المعيشة. ولكن الثورة بما انتهجته خلال سنوات حكمها الأولى لمصر مع المخالفين لها لم تنجح في الاحتفاظ بثقة السودانيين، حتى إن الحزب الوطني الاتحادي صاحب الأغلبية في السودان، والذي كان ينادي بوحدة وادي النيل نفض يديه من تلك الوحدة، والسبب هو الخوف مما أظهرته القيادة المصرية المنفردة بالحكم والسلطة من تطلعاتها وأساليبها، لا مع خصومها فحسب بل ومع بقية القيادات منهم، كما وقع مع محمد نجيب ورشاد مهنا. وعليه آثر السودانيون العيش في حدود إقليمهم مستقلين منفصلين عن مصر على وحدة معها محفوفة بالمخاطر، فانفصل السودان عن مصر عام 1956م.
فشل الوحدة مع سوريا:
كانت الوحدة بين مصر وسوريا في عام 1958م أملًا أن تكون نواة لوحدة عربية شاملة لكل الدول العربية، لذا استقبلها كثير من العرب بالترحاب والتأييد، ولكن الفرحة لم تتم، إذ أصدر ناصر قرارات التأميم الثورية والمصادرات في 1961م مما جعل القيادات السورية تتحول من الإقبال على الوحدة إلى السعي إلى الانفصال، فكان الانفصال.
فشل محاولات الوحدة بين العراق وسوريا:
لم يستطع اليساريون الثوريون من العرب الذين ينتمون إلى حزب عقائدي واحد أن يتحدوا فيما بينهم بعد وثوبهم على الحكم في بلدين متجاورين، رغم وحدة الشعارات واللافتات، والتي أثبتت عجزها أمام تباين المطامع والتطلعات، واختلاف الارتباطات والولاءات. فرغم أن العراق وسوريا يحكمهما حزب عقائدي اشتراكي ثوري قومي وحدوي واحد، هو (حزب البعث العربي الاشتراكي) فقد فشلا في التقارب والتضامن فيما بينهما، فضلًا عن إقامة وحدة أو اتحاد. هذا رغم وحدة الحزب والهدف والدين واللغة ووشائج القربى وروابط الجوار والتاريخ المشترك والآمال، وهي كلها كافية لربط الشعبين غاية الترابط، ولكن العقبة كانت في اختلاف الارتباطات والولاءات والمطامع لدى الحكام الثوريين، والتي هي أقوى من كل تلك الروابط التي تجمع البلدين والشعبين.
طعن الزعماء الثوريين في بعضهم بعضًا:
لم يتوانَ زعماء العرب وحكامهم الثوريون عن الطعن في بعضهم بعضًا، مع زعم وحدة الهدف والغاية، فكان اتهام بعضهم بعضًا في العراق وسوريا ومصر بالخيانة والعمالة والانتهازية والفاشية... إلخ. أمَّا من خالفهم من النظم العربية غير الثورية الأخرى (كالنظم العربية الملكية) فكان حظهم الاتهام لهم بالرجعية والتخلف والتخاذل والضعف والخنوع والخضوع والعمالة للإمبريالية الغربية... إلخ.
كما دخلت مصر في مشاحنات ومواجهات مع المملكة العربية السعودية خلال حرب اليمن لسنوات.
لم تكتفِ الدول العربية خلال الستينيات بفشلها في تحرير فلسطين، بل أضافت لفشلها الفشل في منع إسرائيل من تحويل مسار نهر الأردن، رغم أن هذه القضية كانت وراء دعوة عبد الناصر إلى مؤتمر القمة العربي الأول في منتصف الستينيات.
وقد انعكست الخلافات الثورية بين زعماء العرب فيما بينهم على فصائل المقاومة الفلسطينية، إذ جعلت منها حقلًا للتجارب الدعائية والمزايدات الثورية، في وقت هي أحوج ما تكون إلى وحدة الصف في مواجهة العدو الذي اغتصب أرض فلسطين. وبعد أن كانت حركة (فتح) هي المنفردة بالعمل صارت في الساحة بضع عشرة حركة: هذه تتبع البعث العراقي، وتلك تتبع البعث الثوري، وأخرى تابعة لجورج حبش، وأخرى للحواتمة، وهذه شعبية، وتلك ديمقراطية، إلخ.
وبلغ الأمر منتهاه بالاقتتال بين العرب بعضهم بعضًا على أرض اليمن، وتنامي الصراع والنزاع بين مصر والمملكة السعودية، والذي امتد طوال سنوات الستينيات حتى استيقظ الجميع على هزيمة يونيو 1967م.
مما مضى يتضح بجلاء تعذر تحقيق هذه الأنظمة التي تتمسح بالقومية للوحدة العربية، فالوحدة تتطلب على الأقل:
- وحدة الهدف والمنهج لدى أطراف الوحدة والإخلاص لذلك.
- الشعور القوي الصادق بوجوب الوحدة وضرورتها.
- توفر الثقة المتبادلة وحسن الظن بين الأطراف المقبلة على تلك الوحدة.
وهؤلاء القوميون الاشتراكيون اليساريون مختلفون في مناهجهم وطرائقهم، وفي سياساتهم الخارجية، بل يتوجس كل منهم من الآخر ولا يثق فيه، ويطمع كل منهم في الزعامة والسلطة لنفسه، ويتهمون بعضهم بعضًا بالخيانة أو العمالة للإمبريالية الغربية من طرف، أو للإمبريالية الشرقية من طرف آخر؛ لذا يصنفون بعضهم بعضًا: إما رجعيون أو ثوريون، يمينيون أو يساريون، محافظون أو تحرريون، إلخ. وبينما الدول في العالم على تناقضاتها تتقارب حكوماتها وشعوبها وتجتمع، كان هؤلاء العرب على ما بينهم من روابط قوية تتباعد زعاماتهم وحكوماتهم، وتباعد بين شعوبهم.
هزيمة يونيو 1967م:
كانت هزيمة يونيو أسوأ نهاية ممكنة للتجربة الاشتراكية في مصر، إذ إن الضربة الإسرائيلية التي ظاهرها أنها فاجأت الجيش المصري كانت في حقيقة الأمر متوقعة في الكيفية التي جاءت بها وفي التوقيت الذي وقعت فيه. فمن خلال المحاكمات التي جرت والتحقيقات انكشف الكثير من الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها القيادات الثورية ورجالها. فالهزيمة كانت نتيجة متوقعة في ضوء ما كان عليه قادة الجيش والبلاد.
وقد أعلن عبد الناصر بنفسه في خطاب تنحيه عن الحكم في 9 يونيو 1967م أنه مسؤول عما حل بمصر من عار وهزيمة؛ لذا كان قراره يومها بالتخلي عن المسؤولية.
وهذا ما جعل الكاتب الصحفي (حسنين هيكل) وهو المحامي والمدافع الأول عن الثورة المصرية يكتب في 28 يونيو 1968م معترفًا بعد كل ما قيل في التبرير لهزيمة يونيو 1967م: (إن مفاجأة صباح 5 يونيو حطمت الطيران على الأرض في ساعات، وأغلب الظن وعلى أساس الظروف الموضوعية وحدها، فإن هذا الطيران بغير مفاجأة كان سيُضْرَب من الجو خلال أيام على أساس الأوضاع التي دخل بها المعركة).
وهكذا جاءت هزيمة يونيو 1967م بعد نكبة 1948م بتسعة عشر عامًا لتزيد القضية الفلسطينية تعقيدًا.
جاءت هزيمة 1967م لتعلن فشل الثورية اليسارية العربية كما فشلت من قبل الليبرالية اليمينية في 1948م.
