فشل التجربة الاشتراكية في مصر (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
قامت الدعوة إلى الاشتراكية العربية من أجل تحقيق أهداف عليا؛ في مقدمتها:
- زيادة الإنتاج وتحقيق التنمية والكفاية، مع العدالة في توزيع الثروات والموارد، تحت شعار: (اشتراكيتنا العربية: زيادة في الإنتاج - عدالة في التوزيع).
جاء في الباب الخامس من الميثاق: (إن الاشتراكية هي إقامة مجتمع الكفاية والعدل، مجتمع العمل وتكافؤ الفرص، مجتمع الإنتاج ومجتمع الخدمات).
- تحرير فلسطين وتحقيق الوحدة بين الدول العربية.
- تحقيق حرية الوطن وحرية المواطن؛ لذا شعار المرحلة عندهم: (اشتراكية .. حرية.. وحدة).
ولكن جاءت المحصلة مخيبة للآمال بعد تجربة حُشِدَت لها كل الأسباب، وبُذِل في الأخذ بها كل ما هو متاح:
اقتصاد ضعيف:
لم تثمر التجربة الاشتراكية ما وعدت به من إنجازات في مجال الاقتصاد، فلم تتسع قاعدة الإنتاج الاتساع المأمول، ولم تتحسن نوعيته، ولم تلَبِّ متطلبات الدولة كما ينبغي، ولم تشبع حاجات المواطنين الأساسية من السلع والخدمات.
نعم امتلكت الدولة زمام الأمور، ووضعت الخطط الخمسية، وأدخلت صناعات ثقيلة، وطبقت مجانية التعليم، ووفرت صورًا من الخدمات الصحية والاجتماعية. وكل هذه التغيرات كان لا بد منها لأنها تُعَدّ أمام الشعب من مظاهر تطبيق الاشتراكية وتبني الدولة لها. ولكن: هل حصل كل مواطن على نصيبه العادل من ثروات البلاد ومواردها، وهل ذابت الفوارق بين الطبقات حقيقة بعد القضاء على الطبقة المستغلة من الإقطاعيين والرأسماليين. هل كان هناك التعليم الجيد، والرعاية الصحية الجيدة. هل تحقق للأمة الاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية، هل عاش أفراد الشعب في بحبوحة من العيش والأمان والحرية والطمأنينة.
الإجابات على نقيض المأمول:
تشير الأرقام الرسمية المتعلقة بالإنتاج الزراعي في مصر إلى تحقيق نسبة زيادة 28% في الفترة من 1950م إلى 1962م، ولكن النسبة انخفضت بعد قوانين يوليو 1961م الاشتراكية إلى 15% في الفترة من 1960م إلى 1965م، وهي نسبة أقل بكثير من توقعات الخطة الخمسية (1960م - 1965م).
أمَّا إنتاج القطن وهو يُعَدّ المؤشر على حقيقة الإنتاج في تلك الفترة، فكان قبل ثورة يوليو حوالي 8 ملايين قنطار، فكان في الفترة 1966م - 1968م أقل من 9 ملايين قنطار، فلم تحصل زيادة (بل ركود) على مدار سنوات الثورة وما قامت به من الإصلاح الزراعي وما أعلنت عنه من زيادة الرقعة الزراعية في مديرية التحرير والوادي الجديد والتي لم تؤت ثمارها المرجوة منها.
زيادة استيراد القمح عما قبل، بما يشير إلى عدم قدرة الإنتاج الزراعي في البلاد على تلبية حاجة البلاد من القمح، وحاجة الزيادة السكانية فيها، فضلًا عن تحقيق الاكتفاء الذاتي في القمح والحبوب، وهو مطلب بالقطع يأتي في مقدمة مطالب الدولة الإستراتيجية. وقد زاد استيراد القمح من 150 طنًّا في عام 1955م إلى 300 طن في عام 1956م، ثم بلغ الارتفاع إلى ثلاثة ملايين طن في عام 1967م، أي تضاعف استيراد القمح نحو عشر مرات.
وقد بلغت قيمة الواردات الغذائية في عام 1967م - 1968م تقريبًا نفس قيمة صادرات القطن، وهو المحصول الرئيسي المُعَدّ للتصدير وقتها، أي أن بنية الإنتاج الزراعي بعد خمس عشرة سنة من الثورة لا تسمح لنا إلا بتعويض حاجاتنا الغذائية الحيوية فقط لا غير. (راجع (الصراع الطبقي في مصر من عام 1945 إلى عام 1970، لمحمود حسين - ط. دار الطليعة - بيروت) .
فالقوت اليومي من الخبز لا يتوفر إنتاجه في بلد سِمَتُه أنه بلد زراعي، وأصبح يستكمل احتياجاته بالاستيراد من الخارج لتوفير قوته اليومي.
وقد بلغ الأمر مداه عند توتر العلاقات مع الولايات المتحدة التي أمسكت عن توريد القمح لمصر، فكانت أزمة قاسية تيسر حلها باللجوء إلى استيراد القمح من الاتحاد السوفيتي وإلا كانت محنة قاسية ألا يجد الشعب قوته اليومي متوفرًا. وكانت النتيجة اعتماد الدولة أكثر على روسيا في توريد السلاح والغذاء، مما زاد من النفوذ الروسي في مصر.
وقد كتبت جريدة الأهرام في 2 أغسطس 1966م تقول: (أمامنا في العام القادم موضوع القمح وكيف أننا نحتاج إلى مائة مليون دولار لاستيراد الكميات اللازمة للاستهلاك المحلي منه، وأثر دفع هذا المبلغ الضخم في مشروعات التنمية).
ثم تتساءل الجريدة وتجيب: (ما هو دور الشعب في مواجهة هذا الموضوع. إننا في حاجة إلى أن يكون تصرفنا تجاهه تصرفًا ثوريًّا، علينا أن نحدد كميات الخبز التي نأكلها، وعلينا أن نقبل على الخبز المصنوع من الذرة، وعلينا أن نكافح أبواب التبذير في استهلاك الخبز، سواء في تخزين الدقيق أو في استهلاكنا المنزلي).
أمَّا النمو الصناعي: فبدأ عمليًّا في عام 1961م، لكنه لم يلبث أن عانى من الركود في عامي 1965م - 1966م. فلم تكن ميزانية الدولة تستطيع المساهمة بجدية في تمويل المشاريع الصناعية الكبرى، وكان جهاز الدولة البيروقراطي يبتلع جانبًا كبيرًا من الميزانية، فتدنت مساهمة الدولة في المشاريع الصناعية. نعم زادت الميزانية بعد تأميم قناة السويس عام 1956م لتبلغ المساهمة 35 مليون جنيه، لكنها لم تكن كافية.
بعد قوانين يوليو 1961م كثر الحديث عن التخطيط والتنمية ومضاعفة الدخل القومي كل عشر سنوات. ووُضِعَت خطة خمسية بمعدل نمو يصل إلى 7%، مع توقع -على الورق- إيقاف الاستيراد أولًا، وزيادة الصادرات ثانيًا، خاصة للدول العربية والإفريقية (الأسواق الجديدة)، مع تقشف إداري يوفر الكثير من الصرف على الأجهزة الحكومية.
وجاءت النتائج خلاف المأمول:
- زادت النفقات العامة من 500 مليون في عام 1960م إلى 1200 مليون في عام 1966م.
- وزاد العجز العام من أقل من 70 مليونًا إلى 350 مليونًا، تدخل فيها النفقات العسكرية والأمنية.
- وتضاعف التمويل الخارجي نحو عشر مرات. وزادت المعونات الخارجية من 10 ملايين جنيه تقريبًا إلى أكثر من 100 مليون جنيه في عام 1964م.
- وزاد الاستيراد من 250 مليون جنيه فبلغ 400 مليون جنيه.
- وارتفع الدين الخارجي عشية العدوان الإسرائيلي في 5 يونيو 1967م إلى نحو 500 مليون جنيه.
