الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (36) اسم الله (الخَبِير) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: ( وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) (الأعراف: 180) ، وقال: ( قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ) (الإسراء: 110) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) (رواه البخاري ومسلم) .
- ورد اسم الله (الخَبِير) في القرآن الكريم خمسًا وأربعين مرة، تارة مفردًا وتارة مقرونًا باسم آخر: كقوله -تعالى-: ( إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ) (العاديات: 11) ، وقوله -تعالى-: ( فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ) (التحريم: 3) . وقوله -تعالى-: ( وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) (الأنعام: 73) .
- معنى (الخَبِير) في حق الله -تعالى-: قال ابن القيم -رحمه الله-: "(الخَبِير) الذي انتهى علمه إلى الإحاطة ببواطن الأشياء وخفاياها كما أحاط بظواهرها" (الصواعق المرسلة) .
وقال الغزالي -رحمه الله-: "(الخَبِير) هو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة، ولا يجري في المُلْك والملكوت شيء ولا تتحرك ذرة ولا تسكن، ولا تضطرب نَفَس ولا تطمئن إلا ويكون عنده خبره. وهو بمعنى العليم، لكن العلم إذا أُضِيف إلى الخفايا الباطنة سُمِّي خبرة وسُمِّي صاحبها خبيرًا" (المقصد الأسنى) .
- (الخَبِير) -سبحانه- لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يتحرك متحرك ولا يسكن إلا بعلمه، ولا تستقيم حياة أي شيء إلا بأمره: قال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) (لقمان: 34) .
- وإن من صور قصور عِلْم البشر وخبرتهم أنهم لا يدركون حقيقة الشيء إلا بالتجارب، فخبرة البشر أساسها التجربة؛ لذلك سموا هذا العلم بالعلم التجريبي، لكن علم الله وخبرته لا يفتقران إلى التجربة، بل علمه -عز وجل- علم تام محيط شامل كامل، قال -تعالى-: ( وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) (الأنعام: 73) . وقال -تعالى-: ( كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا ) (الكهف: 91) (1) .
الوقفة الأولى: مواقف نبوية في صور تطبيقية للتعبد باسم الله (الخَبِير):
الموقف الأول: حول نزول قوله -تعالى-: ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ) (التحريم: 3) .
قال السعدي -رحمه الله- في تفسيره: "( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ). قال كثير من المفسرين: هي حفصة أم المؤمنين -رضي الله عنها-، أسَرَّ لها النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثًا، وأمرها أن لا تخبر به أحدًا، فحدثت به عائشة -رضي الله عنها-، وأخبره الله بذلك الخبر الذي أذاعته، فعرَّفها -صلى الله عليه وسلم- ببعض ما قالت، وأعرض عن بعضه، كرمًا منه -صلى الله عليه وسلم- وحلمًا، فقالت له: من أنبأك هذا الخبر الذي لم يخرج منا؟ قال: ( نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ) الذي لا تخفى عليه خافية، يعلم السر وأخفى".
الموقف الثاني: حول غيرة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: فعن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يومًا: ألا أحدثكم عني وعن أمي؟ قال: فظننا أنه يريد أمه التي ولدته، قال: قالت عائشة -رضي الله عنها-: ألا أحدثكم عني وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قلنا: بلى، قال: قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف إزاره على فراشه، فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت، فأخذ رداءه رويدًا، وانتعل رويدًا، وفتح الباب فخرج، ثم أجافه رويدًا، فجعلت درعي في رأسي، واختمرت، وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على إثره، حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: ( مَا لَكِ يَا عَائِشُ حَشْيَا رَابِيَةً؟ ) قالت: قلت: لا شيء، قال: ( لَتُخْبِرِينِي، أَوْ لَيُخْبِرَنِّي اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )، قالت: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فأخبرته، قال: ( فَأَنْتِ السَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتُ أَمَامِي؟ ). قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة أوجعتني، ثم قال: ( أَظَنَنْتِ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ ) قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، نعم، قال: ( فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ، فَنَادَانِي، فَأَخْفَاهُ مِنْكِ، فَأَجَبْتُهُ، فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ، وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ، وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ، وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ )، قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: ( قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- بِكُمْ لَلَاحِقُونَ ) (رواه مسلم) .
الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسمه (الخَبِير):
